من حسنات العهد الجديد أيضا تلاشي الاحتقان السياسي، الذي كان مبنيا على إيقاع قرع طبول أحزاب الأغلبية الانتفاعية المواربة وأهازيج فرقة غوغائية من النواب الذين نجحوا بالمال العام وبمؤازرة الإدارة الموجهة واتكاء على دعيمتي:
من حسنات العهد الجديد، التي تزداد باضطراد، أن جف حبر الأقلام المتزلفة وخرست ألسن الحناجر المومسة ونشف ريقها اللزج، وحبذا من بعد هذا اليسر الذي أعقب عسرا أن يمنع سدنة منابر التغزل بالأحكام على كل ضامر من القول وكل فج يتراءى ومن فوق المنصات وجول الطاولات المستديرة الحوارية إذاعية وتلفزيونية بكل لغات الخشب وافتتاحيات التملق لإعلان الولاء بلسان الماضي ال
ما زالت الساحة الثقافية تَبصق بضعفها على أرضية واقعها "الجاف" وتحرك غبارها المفتقر إلى الوزن من خواء الإنتاج وغياب الإبداع؛ ساحة ثقافية لم يشفع لضعفها ما يحاك فيها عبثا - لوجه الانتفاع العرضي - من تظاهرات باهتة لا تحمل عمقا ولا تترك أثرا، يقيمها من حين لآخر وعلى الأغلب بعض المدعين، تحت أسماء كبيرة وبعناوين براقة تدعي حملَ لواء الفكر والثقافة والأدب؛
"اقطع تنهاب"، قول شائع من قاموس "السيبة" متبع في بلاد "التناقضات الكبرى"، وهو بمثابة ميثاق النجاح في كل معتركات الاضرار بمفهوم الدولة وميزانياتها ومقدراتها، ولغرض بناء مكان متقدم على هرم التمكن من رقاب العامة.
ليس خبث السياسة عندنا كما هو خبثها عند غيرنا، إذ لا مكان عند الخوض في مُعتركها -إلا قليلا- من داخل الأحزاب لـ:
إنهم الأساتذة أنفسهم الذين هجروا نبل التعليم وسمو رسالته إلى لغة الخشب التمجيدية المتقعرة بلازمة شعرية مفتعلة يملؤون بخوائهم من مضامين المكانة التي حصلوا بالدراسة، ومعهم "السياسويون" المتحولون والمستذأذبون بلا مبادئ ثابتة أو خطاب مرجعي، الذين يجلسون جميعهم بلا خجل على ذات الكراسي حول نفس الطاولات والموائد الحوارية التي جلسوا عليها طيلة العشرية المنصر
حضرت في قاعة العروش بالمتحف الوطني تظاهرة ثقافية من الطراز الرفيع يحييها بعرض علمي متقن باحث ألماني مؤرخ وخبير في التاريخ الإسلامي "البروفسور رشتوك الريك"، سبق أن قضى فترة طويلة في موريتانيا قام خلالها بزيارة المدن القديمة ونفض الغبار عن بعض كنوزها من المخطوطات النادرة القيمة، وأنقاذ ورمم وصور البعض ووضع فهرسة للكثير منها مع هوامش دقيقة تحيط بكل جوان
بأي حق ومنطق وكيف حظي من غير الرموز، الدينية والسياسية والعلمية، ومن أصحاب تمثيل البلد في المحافل الفكرية والفنية والرياضية الدولية، بفتح أبواب المطارات على مصرعيها إلى سلم الطائرات وأرضيات الموانئ ومنافذ المعابر الحدودية بلا تفتيش أو مراقبة؟