
لا شك أن الزيارات الميدانية الأخيرة لرئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، تجاوزت كونها جولات تفقدية عابرة، لتغدو محطات أساسية في سعي إلى صياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن. لقد عكست هذه الزيارات وعيا متناميا بقضايا الوطن، ونضجا ملحوظا في الخطاب، وسموا في المعالجة وصرامة في التناول، لكن الأهم أنها كشفت عن تحول استراتيجي يهدف إلى تحويل النجاح الأمني الميداني إلى رأس مال سياسي يستثمر في تعزيز الاستقرار المؤسسي.
فالبيئة الآمنة التي تحققت، بفضل جهود مضنية وحكمة متبصرة لم تعد غاية في حد ذاتها، هيات الظروف للتحول إلى منصة انطلاق مشروع تنموي طموح. وهنا يبرز عمق المسعى السياسي، القائم على مقاربة متكاملة أدركت أن الأمن دون تنمية يتحول إلى جمود، وأن التنمية دون أمن تصبح وهمية. فلقد أستوعبت القيادة أن الانتصار الحقيقي على التحديات لا يكتمل إلا بـ"تعمير ما حرر من التهديدات"، أي بتحويل الأرض المستقرة إلى ورش عمل دائمة، وإشاعة شعور المواطن بأن الاستقرار الأمني يعزز كرامته الاقتصادية.
وعلى الصعيد السياسي، لا سيما فيما يتصل بالدستور وحيثيات أي تعديل محتمل عليه، التزم رئيس الجمهورية خطابا متزنا ودقيقا، اتسم بالوضوح والالتزام بالمرجعيات الدستورية والقانونية. وهذا التوجه السياسي الحصيف استطاع أن يحول ملفا كان يمكن أن يكون مصدر تجاذب، إلى أداة لتعزيز التوافق الوطني. فقد أسهم في تبديد كثير من اللبس، وأربك الخصوم الذين اعتادوا توظيف الغموض لإثارة الجدل، وفي الوقت ذاته نال ارتياحا واسعا لدى قطاعات معتبرة من الرأي العام التي لمست جدية الدولة في ضبط الإيقاع السياسي بما يخدم الأولويات الكبرى.
ويسجل في هذا السياق أن الخطاب المتزن، القائم على الجمع بين الحزم والانفتاح، يعكس توجها سياسيا يسعى إلى ترسيخ الاستقرار عبر هندسة مؤسسية جديدة. إنه مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ليس على أساس الوعود الموسمية، بل على قاعدة الشراكة في تحمل المسؤولية وتقاسم ثمار الاستقرار.
وفي خضم هذا المسعى الطموح لبناء الدولة وتعزيز الاستقرار، يبرز بعد آخر بالغ الأهمية في صنع التوازن الوطني، يتمثل في القطع مع منطق الخطاب الفئوي الضيق. فلقد شكل الرفض القاطع والمعلن لكل أشكال الخطاب القبلي والاثني والجهوي والشرائحي أحد المرتكزات الجوهرية للمرحلة الجديدة. فبعد أن تمكنت الدولة من بسط هيبتها واستعادة زمام المبادرة الأمنية، لم يعد مقبولا أن تحل العصبيات الضيقة محل المواطنة الجامعة، أو أن تظل الحسابات الجهوية تطغى على معايير الكفاءة والاستحقاق.
هذا التوجه لم يقتصر على كونه خطابا سياسيا فقط، بل يتجسد في مواقف عملية معلنة وتوعد صريح للمفسدين، حيث أصبح واضحا أن مشروع بناء الدولة لا يقوم على المحاصصة أو المقايضات، بل على سيادة القانون وصرامة الرقابة. وإن توعد الرئيس لكل من تسول له نفسه العبث بالمال العام أو استغلال النفوذ، لم يأت في سياق ردود فعل عابرة، بل كإستراتيجية ثابتة تهدف إلى حماية التحول الكبير الذي يريده من أي اختراق. فالفساد الإداري والمالي لم يعد مجرد جريمة عادية، بل أصبح ينظر إليه على أنه خطر وجودي يهدد مشروع التنمية ويعيد إنتاج الفوارق التي عملت الدولة على محوها.
إن ما يميز هذه المرحلة هو الانتقال من "إدارة الأزمات" إلى "بناء الدولة". فالنجاح الأمني بات يوفر غطاء لسياسات تنموية طموحة، وتحسن العطاء التنموي بدوره يغذي المناعة الوطنية ضد محاولات زعزعة الاستقرار. وهكذا تتشكل حلقة حميدة تتمثل في أمن يدعم التنمية، وتنمية تعمق الأمن، وسياسة رشيدة تدير هذه المعادلة ببصيرة.
وبذلك، تتكامل أركان المشروع الوطني حيث أمن يحمي الحدود، وتنمية تعمر الأرض، وخطاب سياسي يوحد الصف، ورقابة صارمة تطهر الداخل. في هذا السياق، يصبح رفض الفئوية ومحاربة الفساد وجهين لعملة واحدة: كلاهما يهدف إلى ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، التي لا تفرق بين مواطن وآخر على أساس منطقته أو قبلته، بل تقيس القيمة بالعطاء والالتزام بالقانون، واضعة التنمية الشاملة والأمن المستدام في صدارة الأولويات، باعتبارهما الركيزتين الأساسيتين لأي مشروع وطني ناجح.
.jpg)
