
عرض قدم خلال الندوة التي نظمها المركز الموريتاني للدبلوماسية الموازية تحت عنوان "الدبلوماسية الموريتانية.. الرؤية والمنهج" بالمركز الثقافي في لبلدية "لكصر"
أسمحوا لي أن أضيف إلى وقت العرض تعريفا موجزا للدبلوماسية وأنتم أدرى بدلك مني ولكنه إعطاء للتاريخ بعض حقه علينا.
الدبلوماسية كلمة يونانية الأصل وهي مشتقة من كلمة Diploma وتعني الوثيقة التي تصدر عن أصحاب السلطة والرؤساء السياسيين للمدن وتمنح حاملها امتيازات.
وهي فن وعلم إدارة العلاقات والتفاوض بين الدول بطرق سلمية بعيدا عن الحروب وتأتي لحل النزاعات وإنهاء الخلافات بين الدول عبر الحوار والتفاوض.
ورعاية مصالح الدولة ومواطنيها في الخارج.
وتوقيع المعاهدات التجارية والأمنية والثقافية .
أبرز أنواع الدبلوماسية
الدبلوماسية الثنائية: التواصل المباشر بين دولتين.
• الدبلوماسية الجماعية : التعاون بين عدة دول من خلال المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والمؤتمرات الكبرى
تستخدم كلمة "دبلوماسي" في الحياة اليومية للدلالة على اللباقة، وحسن التخاطب، والذكاء في التعامل مع الأخرين
وقديماً كان لبلاد شنقيط سفراء في المشرق والمغرب العربي، نذكر منهم:
في المشرق:
محمد الأمين الشنقيطي.
محمد حبيب الله.
محمد الخضر مايأبا
محمد الأمين أحمد زيدان.
محمد محمد سالم المجلسي.
وفي المغرب العربي نذكر:
الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل.
محمد بن محمد اليدالي.
الشيخ سيديا الكبير.
أحمد محمد الأمين الشنقيطي.
تتحرك الدبلوماسية الموريتانية في فضاء جغرافي وسياسي تتقاطع فيه دوائر عربية وإفريقية وإسلامية ودولية متعددة، وهو ما جعل من التعدد والانفتاح والتوازن سمات أساسية في حضور موريتانيا الخارجي. فموقع البلاد في غرب إفريقيا، وانتماؤها العربي والإسلامي، وصلاتها بمنطقة الساحل والمجال الأطلسي، تمنح سياستها الخارجية مجالاً واسعاً للحركة وبناء الشراكات.
ولا تقتصر الدبلوماسية الموريتانية على التمثيل التقليدي للدولة لدى العواصم الأجنبية، وإنما تمتد إلى العمل متعدد الأطراف داخل الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، ومنظمة التعاون الإسلامي، والمنظمات والتجمعات الإقليمية. كما برز دبلوماسيون موريتانيون في مواقع دولية مهمة، وهو ما يعكس قدرة الكفاءات الموريتانية على الانخراط في الملفات الدولية والإسهام في معالجتها.
أولاً: الرؤية الدبلوماسية
يمكن فهم الرؤية الدبلوماسية الموريتانية من خلال مجموعة من المرتكزات المتداخلة.
أول هذه المرتكزات هو الحفاظ على السيادة والمصالح الوطنية، باعتبارهما نقطة الانطلاق في تحديد المواقف والعلاقات الخارجية. فالدبلوماسية، في جوهرها، أداة لحماية المصالح الوطنية وتعزيز الأمن والاستقرار وفتح آفاق التعاون الاقتصادي والسياسي.
وثانيها التوازن بين الدوائر الجيوسياسية المختلفة. فموريتانيا لا تتحرك داخل دائرة واحدة، وإنما تتفاعل في الوقت نفسه مع محيطها العربي والإسلامي والإفريقي، ومع القوى الدولية الكبرى، وهو ما يفرض عليها اعتماد سياسة تقوم على تنويع الشراكات وتجنب الارتهان لمحور واحد.
أما المرتكز الثالث فهو تعزيز الحضور في العمل متعدد الأطراف. ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة بالنسبة لدولة بحجم موريتانيا، إذ تتيح المنظمات الدولية والإقليمية فضاءً أوسع للتأثير والمشاركة، كما تمنح الدبلوماسية الموريتانية إمكانية طرح قضاياها والدفاع عن مصالحها ضمن أطر جماعية.
ثانياً: المنهج الدبلوماسي
يقوم المنهج الدبلوماسي الموريتاني، في صورته العامة، على الحوار والمرونة والواقعية وبناء التوافق. وتظهر أهمية هذا المنهج بصورة خاصة في التعامل مع الملفات الإقليمية المعقدة، وفي مقدمتها قضايا الساحل والأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب والهجرة والتنمية.
وتمنح موريتانيا أهمية متزايدة للدبلوماسية الوقائية والوساطة، انطلاقاً من إدراك أن معالجة الأزمات لا ينبغي أن تقتصر على أدوات القوة، وإنما تحتاج إلى الحوار وبناء الثقة والبحث عن حلول سياسية قابلة للاستمرار.
كما يمثل الانفتاح على مختلف الشركاء جزءاً مهماً من المنهج الدبلوماسي، بما يسمح لموريتانيا بتوسيع هامش الحركة وتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والتنموية.
ثالثاً: الدبلوماسية متعددة الأطراف كأداة للتأثير
يبرز الحضور الموريتاني في الأمم المتحدة نموذجاً واضحاً لهذا التوجه. فإلى جانب البعثة الدائمة في نيويورك والبعثة لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في جنيف، أسهم دبلوماسيون موريتانيون في تولي مسؤوليات أممية رفيعة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك إسماعيل ولد الشيخ أحمد، الذي تولى مهمة المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن و يتولى حاليا منصب الأمين العام لرابطة التعاون الإسلامي منذ 27 أغسطس، وأحمدو ولد عبد الله، الذي اضطلع بعدد من المهام الأممية في مناطق نزاع، إضافة إلى القاسم وان الذي تولى رئاسة بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي.
وتكتسب هذه التجارب أهمية تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تكشف عن إمكانية انتقال الدبلوماسية الموريتانية من مجرد المشاركة في المؤسسات الدولية إلى الإسهام في إدارة بعض ملفاتها الأكثر حساسية.
رابعاً: البعد الإفريقي والإسلامي
لا يمكن قراءة الدبلوماسية الموريتانية بمعزل عن عمقها الإفريقي والإسلامي. فموريتانيا جزء من الفضاء الإفريقي، وعضو في الاتحاد الإفريقي، وفاعل في قضايا منطقة الساحل وغرب إفريقيا، كما ترتبط بعلاقات وثيقة مع العالم العربي والإسلامي وتشارك في مؤسسات منظمة التعاون الإسلامي.
ومن هنا، فإن الجمع بين هذه الدوائر يمثل أحد عناصر القوة في السياسة الخارجية الموريتانية، إذ يتيح لها لعب دور حلقة وصل بين فضاءات جغرافية وسياسية وثقافية مختلفة.
وهذا الموقع يمكن أن يتحول إلى رصيد دبلوماسي أكبر إذا جرى توظيفه ضمن رؤية متكاملة، تجعل من موريتانيا طرفاً فاعلاً في الحوار الإقليمي، لا مجرد دولة تتأثر بتفاعلات محيطها.
خامساً: من التمثيل إلى صناعة التأثير
تقوم موريتانيا بالاستثمار في الكفاءات الدبلوماسية، وتطوير مراكز البحث والدراسات الاستراتيجية، وتعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، والاستفادة من الكفاءات الموجودة في المؤسسات الدولية، وربط العمل الدبلوماسي بأولويات التنمية الوطنية.
هذا و انتقلت موريتانيا من دبلوماسية رد الفعل إلى دبلوماسية المبادرة؛ أي امتلاك القدرة على اقتراح المبادرات، وبناء التحالفات، والمساهمة في صياغة الأجندات الإقليمية والدولية التي تمس مصالحها ومحيطها.
من هنا يمكن القول إن الدبلوماسية الموريتانية تمتلك مقومات رؤية تقوم على السيادة، والتوازن، والانفتاح، وتعدد الشراكات، والحضور متعدد الأطراف
وهنا تكمن أهمية بناء دبلوماسية موريتانية حديثة، تجمع بين ثوابت الدولة وواقعية السياسة، وبين الهوية الوطنية والانفتاح الدولي، وبين حماية المصالح الوطنية والمساهمة في صناعة الاستقرار الإقليمي والدولي.
الأمر الذي لابد في سياقه من استعراض النجاحات الدبلوماسية لرئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني فترة حكمه منذ 2019
- رئاسة الاتحاد الإفريقي 2025-2024و قد مثل انتخاب موريتانيا لرئاسة الاتحاد الإفريقي مكسبا دبلوماسيّا مهمًا، وأتاح قيادة العمل القاري في فترة شديدة الحساسية بسبب أزمات الساحل والانقلابات والصراعات .
* تعزيز موقع موريتانيا في منطقة الساحل حيث حافظت على علاقات متوازنة مع دول المنطقة ومع القوى الدولية، مع تقديمها باعتبارها دولة مستقرة في محيط إقليمي مضطرب
و بفضل الحفاظ على الشراكات مع أوروبا أصبحت موريتانيا شريكا مهما للاتحاد الأوروبي في ملفات الهجرة والأمن والتنمية، ومن أبرز مظاهر ذلك حزمة دعم اوروبية بقيمة 210ملايين يورو أعلن عنها في 2024
كذلك الحضور الدولي المتزايد إذ أن رئاسة الاتحاد الإفريقي رفعت مستوى الحضور الموريتاني في المحافل الدولية، بما فيها مجموعة العشرين، حيث مثّل رئيس الجمهورية القارة الإفريقية بصفته رئيس الاتحاد .
و سياسة التوازن في العلاقات الدولية إذ حافظت موريتانيا على انفتاحها على أطراف مختلفة، من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وفرنسا إلى الصين وروسيا والدول العربية، مع تجنب الانخراط في الاستقطابات الحادة التي عرفتها منطقة الساحل .
الدور في أمن الساحل إذ أن تعزير الاستقرار الأمني الموريتاني، وعدم تسجيل هجمات إرهابية على الأراضي الموريتانية منذ 2011، عززا صورتها كشريك أمني موثوق في المنطقة،
و من ابرز النجاحات الدبلوماسية أيضا
تمثيل إفريقيا في مجموعة العشرين G20
خلال رئاسة موريتانيا للاتحاد الأفريقي، شارك رئيس الجمهورية في الجهود الرامية إلى تعزيز حضور الاتحاد الأفريقي في مجموعة العشرين، وقد وثق الاتحاد الأفريقي مشاركته بصفته رئيس الاتحاد في أعمال المجموعة خلال 2024.
تحويل موريتانيا إلى شريك أوروبي مهم في منطقة الساحل وفي قضايا الهجرة،
تعزيز مكانة موريتانيا كدولة مستقلة أمنياً في الساحل،
الحفاظ على سياسة توازن بين القوى الدولية،
تعزيز العلاقات مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي،
الحضور القوي في قضايا الساحل،
أسهمت الديناميكية التي طبعت أداء وزارة الخارجية الموريتانية، منذ تولي الدكتور محمد سالم ولد مرزوك حقيبتها عام 2022، في تعزيز حضور موريتانيا ورفع وزنها في الدبلوماسية الأفريقية، من خلال توسيع علاقاتها العربية والأفريقية والدولية، وتنشيط دبلوماسيتها متعددة الأطراف، والدفاع الفاعل عن مصالحها ومواقفها في مختلف المحافل الإقليمية والدولية.
الحفاظ على صورة موريتانيا كوسيط وليس طرفاً في صراعات الساحل،
توظيف موقع موريتانيا الجغرافي والاستراتيجي.
ولن يفوتني التذكير بالنجاح الكبير المتمثل في تأسيس الأكاديمية الدبلوماسية رسمياً في 27 يوليو 2022 تجسيداً لبرنامج تعهداتي الذي أطلقه رئيس الجمهورية 2019 للارتقاء بالأداء الدبلوماسي للبلاد من خلال إعداد وتأهيل الكفاءات الدبلوماسية وتعزيز قدراتها ومواكبة متطلبات الدبلوماسية المعاصرة.
وتُعنى الأكاديمية بـ: لغة الجسد والحضور الشخصي، فن التواصل والحوار، مهارة الإصغاء والاستماع والذكاء العاطفي، ضبط النفس والتحكم في الانفعالات في التفاوض والإقناع والتأثير، اللباقة الدبلوماسية، المعرفة السياسية والتحليل السياسي والاستراتيجي، المعرفة بالقانون الدولي، إتقان اللغات، الوعي الحضاري والثقافي، الإلمام بتاريخ البلد المضيف.
بذلك تكون الدبلوماسية الموريتانية قد شهدت في عهد فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، تحوّلا نوعي ملحوظًا، جعلها أكثر حضورًا وفعالية على الساحة الإقليمية والدولية، بعد أن تبنت نهجًا قائمًا على التوازن، والحكمة، وتعزيز المصالح الوطنية في إطار من الاحترام المتبادل مع مختلف الشركاء
لقد استطاعت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة أن ترسخ موقعها كفاعل موثوق في محيطها الإفريقي والعربي والدولي، حيث برز دورها في دعم الأمن والاستقرار بمنطقة الساحل والمساهمة في تسوية النزاعات والدفع نحو مقاربات تنموية شاملة، كما عززت حضورها داخل المنظمات الإقليمية والدولية من خلال مواقف متزنة تعكس نضج القرار السياسي ووضوح الرؤية الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة فخامة الرئيس إلى فرنسا لتؤكد هذا التوجه، حيث عكست نجاح الدبلوماسية الموريتانية في بناء شراكات متينة تقوم على المصالح المشتركة. وقد أثمرت هذه الجهود عن توسيع مجالات التعاون، وجلب الاستثمارات، وفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد الوطني.
ولا يخفى أن هذا النجاح الدبلوماسي لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة لسياسة خارجية متزنة، جعلت من موريتانيا بلدًا يحظى بالاحترام والتقدير في مختلف المحافل. فقد أصبحت نواكشوط منصةً للحوار، وصوتًا داعمًا للسلم، وشريكًا موثوقًا في القضايا ذات الاهتمام المشترك.

