
شاعر يترك للكلمة أن تتقدم وحدها، بعيدا عن صخب الحضور وضجيج الشهرة. يكتب لأن القصيدة عنده حاجة، وليست استعراضا.
ليس كل من ادعى الشعر شاعرا، فالشعر أرفع من أن يكون مجرد دعوى، وأصدق من أن ينال بالانتساب إليه.
وإن للشاعر لعلامات لا تخطئها عين العارف بالقريض وسدنته؛ علامات تتجلى في الحس، واللغة، والقدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، وفي قول ما يعجزون عن قوله.
ومتى اجتمعت تلك الأمارات في القائل، استحق أن يسمى شاعرا، وإلا فهو واحد من جملة المحاكين والمدعين، ممن يكثرون في الساحة، ويعلو ويطفح زبدهم على شطآن الخواء، بينما تبقى القلة الأصيلة نادرة، صامتة، لا تحتاج إلى ضجيج يعترف بحضورها.
إن هؤلاء الشعراء هم وحدهم من يسكنهم الشعر كما تسكن الروح صاحبها؛ يكتبون لأنهم لا يستطيعون إلا أن يكتبوا، ويقولون لأن في داخلهم قولا يأبى أن يدفن. لا يعنيهم كثيرا أن يلتفت إليهم أحد، ولا يطربون لاعتراف عابر، ولا يتخذون من الشعر سلما إلى مجد أو جاه.
فالشاعر الحقيقي، المرهف الحس، "المختار السالم" كما عرفته، من طينة هؤلاء الذين لا يريدون بالشعر علوا في الأرض، ولا شهرة تشبع غرورا، ولا اعترافا يصنع مقاما بين الناس. يكفيه أن يكون الشعر صادقا فيه، وأن يظل وفيا لذلك الصوت الخفي الذي يسكنه، حتى وإن مر به الآخرون متجاهلين، وحتى إن لم يصفق له أحد.
فليس كل شاعر من كتب اسمه في مقدمة القوم، ولا كل مجهول خال من الشعر. فقد يسكن الشعر قلب مبدع لا يعرفه أحد، بينما يقف الادعاء على المنابر صاخبا، ثم لا يلبث أن يتلاشى.
لأن الشعر الحقيقي لا يحتاج إلى من يرفعه، فحين يكون صادقا، يعلو بصاحبه.

