امبارك ولد بيروك.. جعل من اللغة فضاء للإبداع ووعاء للهوية/الولي سيدي هيبه

أحد, 01/11/2026 - 21:41

إن اللغة، في أبعادها الفكرية والحضارية، ليست ملكا حصريا لمن يتحدث بها بحكم النشأة أو الانتماء، بل تصبح ملكا حقيقيا لمن يمتلك ناصيتها، ويستوعب أسرارها، ويقدر على تطويع أدواتها التعبيرية والجمالية لتكون مرآة لذاته، وحاملة لخصوصيته الثقافية والتاريخية، وفضاءً لترجمة رؤيته للعالم. فاللغة، في نهاية المطاف، ليست مجرد إرث يتناقله الناس، بل كيان حي ولسان ناطق تتجدد طاقتهما بما يودعه فيهما المبدعون من تجاربهم، وما يضخونه في المفردات والتراكيب من رؤى والدلالات والإيحاءات، حتى تغدو اللغة قادرة على التعبير عن عوالم لم تكن حاضرة في ذاكرتها الأولى، وعلى استيعاب حساسيات حضارية تتجاوز حدود نشأتها الجغرافية والثقافية.

من هذا المنظور، يمثل الكاتب الموريتاني امبارك ولد بيروك نموذجا رفيعا لجيل من المبدعين الذين لم يتعاملوا مع اللغة الفرنسية باعتبارها مجرد إرث لغوي وافد أو أداة للتعبير الأدبي، بل استوعبوها وأعادوا امتلاكها، مستحضرين وصف الطاهر بن جلون لها بأنها "غنيمة حرب"، ليجعلوا منها لغة تعبر عن خصوصيتهم الثقافية وتحمل بصمة هويتهم الحضارية وذاكرتهم الجماعية. فـ"امبارك" لا يكتفي بالكتابة بالفرنسية، وإنما يوظف إمكاناتها التعبيرية والجمالية لتجسيد خصوصية "التجربة الموريتانية"، واستحضار ملامح بيئتها الاجتماعية والثقافية، والتعبير ومحاولة الإجابة عن أسئلتها الإنسانية. وبهذا، تتجاوز الفرنسية في تجربته حدود نقل واقع محلي إلى قارئ من خارج بيئته، لتغدو فضاء إبداعيا تتجلى فيه الذات الموريتانية بذاكرتها وتناقضاتها وتطلعاتها، وتنفتح من خلاله على قضايا إنسانية تتخطى حدود المكان واللغة.

وفي هذا السياق، تلتقي تجربته، مع اختلاف السياقات والمرجعيات، بتجارب أدبية وفكرية متعددة، من بينها تجربة الشاعر السنغالي ليوبولد سيدار سنغور، وتجربة الكاتب المغربي الطاهر بن جلون، وتجربة الشاعر والمفكر إيمي سيزير، الذين تكشف أعمالهم، كل من زاويته الخاصة، عن قدرة الإبداع على تجاوز الحدود التقليدية للغة، وإعادة تشكيلها بما يتلاءم مع رؤية كل منهم وتجربته الحضارية. وإذا كانت هذه الأسماء تختلف في أصولها وبيئاتها ومساراتها الفكرية والأدبية، فإنها تلتقي عند حقيقة أساسية، هي أن اللغة لا تظل أسيرة أصلها التاريخي متى امتلكها المبدع امتلاكا حقيقيا، وأعاد توجيه طاقتها التعبيرية نحو عوالمه الخاصة.

ولعل تجربة ليوبولد سيدار سنغور تقدم مثالا بالغ الدلالة على هذا التفاعل بين اللغة والهوية الذي كتب بالفرنسية، لكنه لم يجعل من الكتابة بها تنازلا عن خصوصيته الإفريقية، بل اتخذ منها أداة لاستحضار الذاكرة الإفريقية والتعبير عن الوجدان الأسود La négritude، والدفاع عن قيمة الثقافات التي همشتها المركزية الاستعمارية. وهكذا لم تعد الفرنسية في تجربته مجرد لغة ذات منشأ أوروبي، بل غدت حاملة لرؤية إفريقية إلى الإنسان والتاريخ والحضارة، بما يؤكد أن امتلاك اللغة لا يتحقق بتقليد نماذجها السائدة، بل بإعادة إنتاجها انطلاقا من تجربة ذاتية وثقافية متميزة. ولا يقل في ذلك أمي سيزر المرتنيكي الذي تحدث عن أفول نجم الغرب باللغة الفرنسية في كتابه الشهير Discours sur le colonialisme والملك الشاعر نوردوم سيهانوك Norodom Sihanouk الذي كان مولعا باللغات ; وفنون الطبخ.

والأمر نفسه نجده، في سياق مختلف، لدى عدد من الكتاب والشعراء الذين لم تكن العربية لغتهم بحكم الأصل أو النشأة، لكنهم امتلكوا ناصيتها، وتعمقوا في أسرارها، وأسهموا في إثراء آدابها وتوسيع آفاقها، حتى أصبح إنتاجهم جزء لا يتجزأ من تاريخها الثقافي. فالعربية، مثل سائر اللغات الكبرى، لم تتطور بفضل أبنائها وحدهم، بل أسهم في بنائها وتطوير علومها وآدابها مفكرون وكتاب وأدباء من خلفيات وأصول متعددة، وجدوا فيها فضاء للمعرفة والتعبير والإبداع، وأثبتوا أن الانتماء الحقيقي إلى اللغة قد يكون ثمرة الممارسة والإنتاج والإضافة، لا مجرد امتداد للنسب أو الأصل.

 ويكفي، في هذا المقام، أن نستحضر أسماء من قبيل معروف الرصافي وأحمد شوقي، إلى جانب أعلام آخرين من تاريخ الأدب العربي، مع التمييز بين الانتماء اللغوي والانتماء العرقي، لندرك أن قيمة المبدع لا تقاس بأصوله، بل بما يضيفه إلى اللغة التي يكتب بها، وبما يتركه في ذاكرتها من آثار فكرية وجمالية. فقد أصبحت العربية، عبر تاريخها الطويل، وطنا معرفيا وإبداعيا مشتركا، يتجاوز حدود الأنساب والجغرافيا، ويستوعب تجارب إنسانية متباينة، ما دامت قادرة على أن تجد فيها أدوات التعبير عن ذاتها.

 وليس المقصود هنا أن اللغة تصبح ملكا لمن يكتب بها بمعنى الحيازة الحصرية، بل أن المبدع يستطيع أن يحقق فيها نوعا من الانتماء الإبداعي العميق، يجعل حضوره جزءا من ذاكرتها، ويجعل أعماله مكونا من مكونات تطورها. فكم من كاتب لا ينتمي أصلاً إلى البيئة التي نشأت فيها لغة كتابته، لكنه يسهم في تجديدها وإغنائها، وكم من ابن لهذه اللغة يظل أسير قوالبها الموروثة، فلا يضيف إلى رصيدها إلا القليل. وبين الحالتين تتحدد المسافة الفاصلة بين مجرد استعمال اللغة والقدرة على امتلاكها إبداعيا.

 ومن هنا، فإن تجربة امبارك ولد بيروك ـ الذي يقول عن نفسه أنه ليس افركوفونيا(francophone) )كاتب نصوص بالفرنسية (francoscribe ـ تتيح لنا النظر إلى الأدب الموريتاني المكتوب بالفرنسية من زاوية تتجاوز التصنيفات الضيقة التي تجعل لغة الكتابة معيارا وحيدا لتحديد الهوية الأدبية. فليس من الضروري أن يكتب المبدع بلغته الأم حتى يكون معبرا عن مجتمعه، كما أن الكتابة بلغة أخرى لا تعني بالضرورة الانفصال عن الجذور أو الارتهان لثقافة مغايرة. إن المسألة تتعلق، أساسا، بمدى قدرة الكاتب على تحويل اللغة إلى أداة لاستكشاف بيئته، واستنطاق ذاكرته، وتجسيد خصوصيته الحضارية، وإيصالها إلى قارئ قد لا يعرف عن ذلك العالم إلا القليل.

وهنا تكمن قيمة الإبداع الحقيقي حين أن يمنح الكاتب اللغة التي يكتب بها شيئا من روحه، وأن يوسع أفقها بما يضيفه إليها من تجارب ودلالات، وأن يجعلها قادرة على حمل ما لم تألف حمله من قبل لأن اللغة ليست مجرد وعاء محايد للأفكار، بل هي أيضا فضاء تتشكل داخله الرؤية، وتتحاور فيه الذاكرة مع الحاضر، وتتفاعل الخصوصية المحلية مع المشترك الإنساني. وبالطبع فإنه كلما نجح المبدع في هذا التفاعل، تحررت اللغة من حدودها الضيقة، واكتسبت قدرة أكبر على احتضان التنوع الإنساني.

إن اللغات الكبرى لا تعيش بأمجاد ماضيها وحدها، ولا تستمد حيويتها من كثرة المتحدثين بها فحسب، بل تتجدد أيضا بفضل المبدعين الذين يفتحون أمامها آفاقا جديدة، ويمنحونها أصواتا لم تكن مألوفة فيها، وتجارب توسع من طاقتها على التعبير. ولذلك فإن غياب إنتاج بعض الكتاب الذين أسهموا في إثراء لغة ما عن مدونتها النقدية أو الأدبية، أو التعامل معهم بوصفهم هامشا خارجيا بسبب أصولهم أو لغة انتمائهم الأولى، قد يؤدي إلى صورة ناقصة عن تاريخ تلك اللغة وتحولاتها لأن الإبداع لا يعترف بالحواجز التي يرسمها التصنيف الضيق، بل يفرض حضوره بما يقدمه من قيمة فكرية وجمالية.

وإن اللغة لا تمنح الكاتب هويته بقدر ما يمنحها الكاتب، حين يبلغ مرتبة الإبداع، شيئا من هويته، والأمم قد تتوارث اللغات، لكن المبدعين هم الذين يجددون حياتها، ويوسعون حدودها، ويجعلونها قادرة على احتضان عوالم لم تكن من قبل جزء من ذاكرتها. ومن هذه الزاوية، لا تبدو تجربة امبارك ولد بيروك مجرد تجربة كاتب موريتاني اختار الفرنسية لغة للتعبير، بل شاهدا على حقيقة أوسع، مفادها أن اللغة تصبح وطنا للإبداع حين يستطيع الكاتب أن يجعلها تنطق بخصوصيته، وأن يحملها من محيطها الأول إلى فضاء إنساني أكثر رحابة، دون أن يفقدها صلتها بجذوره أو يفرط في فرادة صوته.