الشيخ أحمدو ولد بوحبيني.. كاتب لم يوف بعد حقه/الولي سيدي هيبه

جمعة, 30/10/2026 - 21:46

لا ينبغي أن يفهم قول إن الكاتب لم ينل ما يستحقه من إنصاف حكما انطباعيا أو عبارة مجاملاتية عابرة، بل ينبغي أن يتخذ مدخلا لمراجعة واقع القراءة والممارسة النقدية وآليات التوثيق، وإعادة النظر في المعايير التي تحكم تشكل الذاكرة الثقافية، وتحدد مراتب الحضور فيها، وتفسر تفاوت حظوظ الكتّاب من التداول والاهتمام، بحيث يظل بعضهم دون المستوى الذي تستحقه أعماله من الاعتراف والتقدير.

ثمة كتاب لا يمكن الإحاطة بتجاربهم من خلال المواقع أو المناصب التي شغلوها، ولا اختزال حضورهم في المناسبات التي يستدعون إليها، لأن جزء أساسيا من قيمتهم يظل كامنا في أعمالهم، ينتظر قراءة تنفذ إلى ما وراء العناوين، وتستكشف ما تختزنه النصوص من أسئلة المجتمع وتحولاته، وما تكشف عنه من قدرة على تحويل التجربة الإنسانية إلى مادة للإبداع والتأمل. ومن هذه الزاوية، يستحق الروائي المبدع والباحث المجيد الشيخ أحمدو ولد بوحبيني، المعروف في الوسط الأدبي والبحثي بالشيخ ولد أحمدو، وقفة إنصاف تعيد تسليط الضوء على مساره الإبداعي المتعدد، وعلى ما أنجزه في الرواية والمسرح والقصة وأدب الرحلات والبحث التاريخي.

ليس الشيخ أحمدو ولد بوحبيني مجرد برلماني سابق طرق باب الكتابة، بل هو صاحب تجربة أدبية ممتدة عبر عقود، تعود بداياتها المسرحية إلى سبعينيات القرن الماضي، وتكشف عناوين أعماله عن انشغال مبكر بالسرد واستكشاف المجتمع. فمن مسرحية "طرقات على الباب" الصادرة سنة 1974، إلى "سمكة إبريل" سنة 1978، مرورا بروايات "عودة الزراف" سنة 1989، و"دروب السراب" سنة 1993، وصولا إلى "للحديث بقية" سنة 2011، و"عهود امبيوه السعيدة" سنة 2017، و"أشجار بلا ثمار" سنة 2020، تتبدى ملامح تجربة لم تكن عابرة، بل امتدت زمنيا وتنوعت أجناسها التعبيرية. كما تضم قائمته المسرحية أعمالا من بينها "دهاليز الظلام" و"بيت العنكبوت".

وتكتسب رواية "عودة الزراف" أهمية خاصة في سياق القراءة الاجتماعية لأدبه، إذ تشير قراءة نقدية للرواية ولعمله "للحديث بقية" إلى انشغاله بمصير المزارعين الذين عصفت بهم سنوات الجفاف والمحال، فلم تقتصر خسائرهم على موارد العيش، بل امتدت إلى أنماط التفكير وأساليب الحياة، وانتهت بكثير منهم إلى الارتحال نحو المدينة، حيث تتبدل العلاقات وتتغير معايير العيش والانتماء. وهكذا يتحول الجفاف من ظاهرة طبيعية إلى مدخل لفهم تحولات اجتماعية أعمق، تتصل بالهجرة والاقتلاع وإعادة تشكيل الوعي الجماعي.

أما "للحديث بقية"، فقد حظيت بقراءة نقدية تناولت ما تطرحه من اختلالات اقتصادية واجتماعية وأخلاقية في المجتمع الموريتاني، من أواخر سبعينيات القرن الماضي إلى الزمن الذي كتب فيه العمل. وتبرز في هذه القراءة ثنائيات الفساد والاستقامة، والجشع والقناعة، والوطنية والتنكر للوطن، والإصلاح والإفساد، وهي تقابلات تتجاوز حدود الحكاية لتفتح باب المساءلة حول منظومة القيم، وحول التوتر بين المصلحة الفردية والمسؤولية الجماعية. ومن شأن هذه الموضوعات أن تجعل العمل مدخلا مناسبا لدراسة نظرة الكاتب إلى المجتمع وإلى التحولات التي شهدها.

ولا يقف هذا الرصيد عند الرواية والمسرح، فقد امتدت تجربته إلى أدب الرحلات، الذي يتيح للكاتب أن يجمع بين المشاهدة والتأمل، وبين تسجيل تفاصيل المكان واستنطاق دلالاته الثقافية والاجتماعية من "البعرة" على مسطحات "آمساكة" وتيرس" التي يحسبها الرائي "أبجاوي" على راحلة جمله يسد الأفق، وكل ملمح يخاطب طبيعة البلد ويستقرئ خصوصية الأرض وأهلها. ومن أعماله في هذا المجال "عشرون يوما في البلاد المقدسة" الصادر سنة 1994، و"برلماني خلف القطيع" سنة 2004، و"يوميات على شاطئ المحيط" سنة 2017. وتبدو هذه العناوين، بمجرد النظر إلى تنوعها، كأنها تفتح نوافذ متعددة على علاقة الكاتب بالمكان، وبالتجربة السياسية، وبالحياة اليومية؛ وإن كان تحديد دلالاتها الفنية والفكرية يظل رهينا بقراءة نصوصها نفسها.

 ويستحق هذا التنوع أن يقرأ في ضوء المسار العلمي والمهني لصاحبه لأنه جمع بين التكوين في التاريخ والجغرافيا والقانون، والخبرة التربوية والنقابية، والعمل البرلماني الذي امتد بين عامي 1992 و2001، والاهتمام بالبحث التاريخي والاجتماعي. ولا ينبغي أن يتحول هذا التعدد إلى بديل عن تقييم منجزه الأدبي، لكنه يمنح الباحث مفاتيح إضافية لفهم الموضوعات التي استأثرت باهتمامه، والصلات الممكنة بين معرفته بالتاريخ والقانون والسياسة وبين اختياراته السردية.

إن السؤال الذي تثيره تجربة الشيخ أحمدو ولد بوحبيني ليس ما إذا كان يستحق الثناء، بل ما إذا كانت أعماله قد حظيت بما يكفي من القراءة والتداول والنقد، قياسا إلى امتداد تجربته وتنوعها. فالإنتاج الممتد عبر عقود، والذي يشمل الرواية والمسرح والقصة وأدب الرحلات والبحث، يحتاج إلى مقاربة تتجاوز الإشادة العامة، لتحدد ملامح تطوره الفني، وتدرس بناء شخصياته، وأسلوبه في تصوير المجتمع، وطبيعة علاقته بالتاريخ والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.

ولعل الإنصاف يبدأ من إعادة أعماله إلى دائرة القراءة، ومن إتاحة الفرصة للباحثين والنقاد كي يتعاملوا معها بوصفها نصوصا أدبية قابلة للتحليل والمساءلة، لا مجرد محطات في سيرة شخصية عامة. فالكاتب لا يُنصف حين نعدد عناوين مؤلفاته فحسب، بل حين نمنحها فرصة الوصول إلى القارئ، ونضعها في سياق تطور الرواية الموريتانية، ونختبر ما أضافته إلى الذاكرة الأدبية الوطنية.

إن الكاتب الشيخ أحمدو ولد بوحبيني، بما يمتلكه من رصيد متنوع وتجربة ممتدة، يمثل بلا خلاف اسما جديرا بمزيد من الاهتمام النقدي. وأما القول إنه لم يوف حقه، فلا ينبغي أن يكون حكما انطباعيا أو مجاملة عابرة، بل دعوة إلى مراجعة واقع القراءة والنقد والتوثيق، وإلى مساءلة المعايير التي تحدد من يحظى بالحضور في الذاكرة الثقافية ومن يظل إنتاجه أقل تداولا مما يستحق.

 فالثقافة لا تقاس بعدد الأسماء التي تحتفي بها، بل بقدرتها على اكتشاف منجزها وقراءته وتوثيقه، كما ليس من الوفاء لكاتب امتدت تجربته عبر أجيال أن يكتفى بتذكره في مناسبة، وإنما أن تعاد نصوصه إلى الحياة، ونمنح ما تستحقه من قراءة جادة ومنزلة واضحة في تاريخ أدب البلد.