الأدب الموريتاني... خصوصية الهوية، رهانات الحداثة، الالتحام بالعصر وأدواته/الولي سيدي هيبه

ثلاثاء, 27/10/2026 - 11:37

"إن الثقافة التي تكتفي بالاعتزاز بماضيها دون أن تبحث عن مكان لها في الحاضر، قد تتحول تدريجيا إلى ذاكرة محفوظة أكثر منها قوة فاعلة في الحياة. أما الثقافة الحية فهي التي تحسن قراءة ماضيها، وتستوعب تحولات عصرها، وتعيد صياغة تجربتها بأدوات جديدة، دون أن تفقد صلتها بجذوره"

"أتثبتت التجارب الثقافية أن الهوية لا تقوى بالعزلة، بل بقدرتها على التفاعل والاختيار وإعادة الابتكار. فالأمة الواثقة من ذاتها لا تخشى التعلم من الآخرين، لأنها لا تتعامل مع منجزاتهم باعتبارها نماذج يجب استنساخها، بل باعتبارها خبرات يمكن الإفادة منها وتكييفها وفق حاجاتها ومرجعياتها"

ليس الأدب مجرد كلمات تكتب، أو قصائد تنشد، أو حكايات تروى، بل هو تعبير عن وعي الأمة بذاتها، ومرآة لذاكرتها الحضارية، ووسيلة لإثبات حضورها في عالم لا يكف عن التحول. وإذا كان الأدب، شعرا ونثرا، قد ظل عبر التاريخ من أبرز حوامل الهوية الثقافية، فإن تطور الحضارة الإنسانية أوجد روافد جديدة للتعبير والتأثير، في مقدمتها السينما والمسرح، اللذان لم يعودا مجرد وسيلتين للترفيه، بل أصبحا أداتين أساسيتين لصناعة الوعي، وإعادة تشكيل "المخيال" الجماعي، ونقل التجارب المحلية إلى فضاءات إنسانية واسعة.

في موريتانيا، حيث يمتد التراث الأدبي عميقا في الذاكرة العربية والإسلامية، ويتجذر في الثقافة الحسانية والموروث الشفهي والتقاليد العلمية والاجتماعية، تبرز إشكالية تتجاوز مجرد المحافظة على الموروث إلى التساؤل عن قدرته على مواكبة العصر. فقد احتل الشعر مكانة مركزية في الحياة الثقافية الموريتانية، وكان ديوانا للذاكرة، ووعاء للحكمة، وسجلا للأحداث والتحولات، كما أسهم النثر في حفظ المعرفة وتوثيق التاريخ وإنتاج الفكر. غير أن عراقة هذا الرصيد، على أهميتها، لا تعفي من مساءلة الوسائل التي نعبّر بها عنه، ولا من البحث عن سبل تجديد حضوره في عالم تتغير فيه أشكال الإبداع وطرائق التلقي بوتيرة متسارعة.

ومن هنا يفرض السؤال الجوهري نفسه، متى نلتحم بالعصر ونمتلك أدواته التعبيرية والتكنولوجية، لنجدّد أدبنا الموريتاني، ونفعل علاقته بالسينما والمسرح، ونحافظ في الوقت نفسه على خصوصيتنا الثقافية، دون أن ننغلق على ذواتنا أو نذوب في تجارب الآخرين؟

إن هذا السؤال لا ينطلق من التقليل من قيمة الأدب الموريتاني، ولا من إنكار ما حققه من إبداع وتجديد، وإنما من الإيمان بأن التراث، مهما بلغت عظمته، يحتاج إلى وسائل متجددة تضمن استمراره وفاعليته. فالثقافة التي تكتفي بالاعتزاز بماضيها دون أن تبحث عن مكان لها في الحاضر، قد تتحول تدريجيا إلى ذاكرة محفوظة أكثر منها قوة فاعلة في الحياة. أما الثقافة الحية فهي التي تحسن قراءة ماضيها، وتستوعب تحولات عصرها، وتعيد صياغة تجربتها بأدوات جديدة، دون أن تفقد صلتها بجذورها.

وتتجلى خصوصية الأدب الموريتاني في ثراء لغته وتنوع موضوعاته وارتباطه بالبيئة الصحراوية والثقافة الإسلامية والموروث الحساني والتقاليد الشفوية. فقد استطاع الشعر أن يعبر عن الحب والفخر والحكمة والوجدان الجمعي، وأن يحفظ جوانب من التاريخ الاجتماعي والثقافي، بينما أسهم النثر في مجالات العلم والفقه والتاريخ والتراجم، ثم انفتح على الأجناس الأدبية الحديثة من قصة ورواية ومقالة. وهذا الرصيد يمنح الثقافة الموريتانية مادة إبداعية واسعة، قادرة على إلهام أعمال فنية معاصرة، إذا أُحسن استثمارها وتجاوز التعامل معها باعتبارها إرثا ينبغي حفظه فحسب.

فلماذا لا تتحول القصيدة الموريتانية، بما تحمله من صور وإيقاعات ودلالات، إلى عمل مسرحي أو سينمائي يستثمر طاقتها التعبيرية والأمر ليس جديدا على الادب العالمي حيث أبدع الشاعر الفرسي "لا فونتين La Fontaine" وأمير الشعراء أحمد شوقي في كتابة المسرح الشعري وترجمة الحكايات الشعبية و توفيق الحكيم في مسرحيىة "أهل الكهف" ومحمود المسعدي في "السد" ؟ ولماذا لا تصبح الحكايات الشعبية عندنا والسير المحلية والتجارب الاجتماعية مادة لأفلام تستحضر الذاكرة وتناقش الحاضر وتستشرف المستقبل؟ ولماذا لا تجد الرواية والقصة الموريتانيتان طريقهما بصورة أوسع إلى الشاشة وخشبة المسرح، لتصبحا جزء من الحياة الثقافية اليومية، لا مجرد نصوص يتداولها القراء في نطاق محدود جدا؟

والحقيقة الكونية الثابتة أثبتت أن العلاقة بين الأدب والسينما والمسرح علاقة تكامل وتفاعل، وليست علاقة تبعية أو تنافس. فالأدب يمنح هذه الفنون شخصياته وأفكاره وأسئلته الإنسانية، بينما يتيح المسرح والسينما للنصوص إمكانات جديدة للتجسيد والتأويل والانتشار. فالكلمة التي تقرأها العين يمكن أن تتحول إلى صورة تراها الجماهير، وإلى مشهد حي تتفاعل معه، وإلى تجربة مشتركة تتجاوز حدود الكتاب واللغة والمكان. ولا يعني ذلك أن السينما والمسرح بديلان عن القراءة أو الكتابة، بل إنهما يفتحان أمام الأدب منافذ جديدة للتواصل مع المجتمع، ويمنحانه قدرة أكبر على مخاطبة الأجيال التي تشكل الصورة والصوت والوسائط الرقمية جزءًا أساسيًا من عالمها.

غير أن هذا التكامل لا يزال بحاجة إلى مزيد من التأسيس في المشهد الثقافي الموريتاني علما بأن المشكلة ليست في غياب كل تجربة سينمائية أو مسرحية، ولا في انعدام مظاهر التجديد الأدبي، بل في محدودية المشاريع التي تجمع بصورة منتظمة بين الأدباء والمخرجين والممثلين والمنتجين على ندرتهم الشديدة، وفي الحاجة إلى تطوير مؤسسات الإنتاج والتكوين والنشر والعرض. وهذا الضعف يحرم النص الأدبي من فرص مهمة للانتقال إلى وسائط أخرى، ويحد من إمكانات التجريب المشترك، ويجعل جانبًا من الرصيد الثقافي أقل حضورًا في فضاءات التأثير الجماهيري.

إن الحداثة الأدبية لا تختزل، كما يظن البعض، في تغيير الأوزان الشعرية، أو كسر القوالب التقليدية، أو استعمال أساليب سردية جديدة، حيث هي أوسع من ذلك وتشمل أيضا طرائق إنتاج الأدب وتداوله وتلقيه، وعلاقته بالفنون والتكنولوجيا والتحولات الاجتماعية. ولا يمكن أن نتحدث عن تحديث ثقافي متكامل إذا ظل الأدب معزولا عن بقية أشكال التعبير، أو إذا تعاملنا مع الوسائط الحديثة باعتبارها وسائل ثانوية لا تستحق الاستثمار والتطوير.

ومن الخطأ، في المقابل، أن نجعل السينما والمسرح معيارا وحيدا للحداثة، أو أن نحكم على الأدب بقيمته من خلال قابليته للتحويل إلى صورة أو مشهد. فلكل فن استقلاله وخصوصيته، ولكل تجربة أدبية شروطها الجمالية. لكن المطلوب هو فتح المجال أمام التفاعل بين هذه الفنون، حتى تتعدد إمكانات الإبداع، وتتسع دوائر التلقي، ويصبح الأدب أكثر قدرة على الحضور في المجتمع المعاصر.

ولعل الرهان الأكبر يتمثل في التوفيق بين مطلبين قد يبدوان متعارضين، لكنهما في الحقيقة تكامل بين امتلاك أدوات العصر والحفاظ على خصوصية الهوية، ولا يعني الانفتاح على الحداثة التخلي عن الموروث، ولا يقتضي الحفاظ على الأصالة الابتعاد عن التجارب العالمية. وقد أثبتت التجارب الثقافية أن الهوية لا تقوى بالعزلة، بل بقدرتها على التفاعل والاختيار وإعادة الابتكار لأن الأمة الواثقة من ذاتها لا تخشى التعلم من الآخرين، لأنها لا تتعامل مع منجزاتهم باعتبارها نماذج يجب استنساخها، بل باعتبارها خبرات يمكن الإفادة منها وتكييفها وفق حاجاتها ومرجعياتها.

وفي حالتنا، يمكن أن يشكل التراث الشعري والحساني والشفهي منطلقا لحداثة متجذرة، تستفيد من تقنيات السينما والمسرح والوسائط الرقمية، دون أن تتخلى عن لغتها ورموزها وذاكرتها. كما يمكن للأدب أن يعالج قضايا الإنسان الموريتاني المعاصر، وتحولات المجتمع، وأسئلة الشباب والهوية والتعليم والعلاقة بين المدينة والريف، وأن يقدمها في أعمال فنية تتجاوز المحلية الضيقة إلى القضايا الإنسانية المشتركة.

والحقيقة التي يجب أن نستوعب هي أن خصوصية الثقافة لا تتحقق بمجرد تكرار عناصر الماضي، وإنما بقدرتها على جعل هذه العناصر قابلة للحياة في الحاضر. والصحراء، مثلا، ليست مجرد خلفية جغرافية، بل فضاء ثقافي وإنساني غني بالرموز والتجارب والعلاقات، والشعر الحساني ليس مجرد موروث لغوي، بل عالم من الصور والإيقاعات والحكم يمكن أن يلهم أشكالًا فنية حديثة، والحكاية الشعبية ليست أثرا منسيا، بل مادة قابلة لإعادة الكتابة والتشخيص والتصوير. وهنا يصبح التجديد وسيلة لصون التراث، لا تهديدًا له.

ولا يمكن بلوغ هذه الغاية بالنيات وحدها، بل يتطلب الأمر مشروعًا ثقافيا يربط بين المؤسسات التعليمية والجامعات ودور النشر والفرق المسرحية والمنتجين السينمائيين، ويشجع اقتباس الأعمال الأدبية، وتوثيق التراث الشفهي، وتكوين المبدعين، وتوفير فضاءات للإنتاج والعرض. كما تبرز أهمية النقد الأدبي والفني في تحليل هذه التجارب، والكشف عن إمكاناتها وحدودها، وبناء وعي جمالي يساعد على تجاوز الاستسهال والتقليد.

ويأتي دور الترجمة ـ التي نغفل أهميتها ـ والتبادل الثقافي ـ الذي نكثف منه ـ ليكمل هذه الجهود، إذ لا يكفي أن ننتج أعمالا تعبر عن خصوصيتنا إذا ظلت حبيسة حدودها اللغوية والجغرافية. فترجمة الأدب الموريتاني، والمشاركة في المهرجانات الدولية، وعرض الأفلام والمسرحيات في فضاءات متنوعة، كلها وسائل تساعد على التعريف بالثقافة الوطنية، وتفتح المجال أمام حوار متكافئ مع الثقافات الأخرى. إن المشاركة لا تعني الذوبان، كما أن الخصوصية لا تعني الانغلاق، وإنما أن ندخل إلى العالم بما نملكه من تجربة ورؤية وإبداع، وأن نكون مستعدين في الوقت نفسه للاستفادة من تجارب الآخرين.

إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الثقافة الموريتانية اليوم ليس الاختيار بين التراث والحداثة، ولا بين الهوية والانفتاح، بل القدرة على الجمع بينها في مشروع إبداعي متكامل. فكيف نفرض حضورنا الثقافي إذا لم نمنح إبداعنا أدوات الوصول إلى الآخرين؟ وكيف نطالب العالم بالتعرف إلى خصوصيتنا إذا لم نعمل على تحويلها إلى أعمال أدبية وفنية معاصرة؟ وكيف نواكب العصر إذا بقينا ننظر إلى أدواته بعين الريبة، أو نكتفي باستخدامها دون أن ننتج من خلالها تعبيرنا الخاص؟

إن الالتحام بالعصر لا يعني أن نكون نسخة منه، وإنما أن نمتلك القدرة على فهمه والمشاركة في صناعته. وامتلاك أدوات الحداثة لا يعني استيراد تقنياتها فحسب، بل يتطلب بناء الكفاءات والمؤسسات، وتطوير الخيال الإبداعي، وابتكار أشكال تعبير تنطلق من واقعنا وتخاطب الإنسان في كل مكان.

وفي المحصلة، فإن مستقبل الأدب الموريتاني يتوقف، إلى حد بعيد، على قدرتنا على الانتقال من مجرد صيانة التراث إلى تفعيله، ومن الاعتزاز بالخصوصية إلى توظيفها في الإبداع، ومن التعامل المنفصل مع الفنون إلى بناء جسور حقيقية بينها. فالحداثة ليست قطيعة مع الذاكرة، بل إعادة قراءتها وإنتاجها، والهوية ليست قيدا يمنع التطور، بل منبعا يمنح الإبداع نكهته وتميزه، والمشاركة الإنسانية ليست تنازلا عن الذات، بل فرصة لجعل تجربتنا الخاصة جزء من الحوار الحضاري العالمي.

فمتى نلتحم بالعصر؟ نلتحم به حين نكف عن النظر إلى أدواته باعتبارها غريبة عن ثقافتنا، ونبدأ في تطويعها لخدمة إبداعنا. ومتى نحافظ على خصوصيتنا حين نجعلها قوة مولدة للتجديد، لا مبررا للانكفاء. ومتى نفرض مشاركتنا حين ننتقل من استهلاك منجزات الآخرين إلى إنتاج أعمال تحمل بصمتنا، وتعبر عن إنساننا، وتضيف إلى الثقافة الإنسانية صوتا موريتانيا مسموعا ومتميزا.