"بعض الناس لم تفسدهم الحياة… أفسدتهم المجاملات التي جعلتهم يظنون أنهم أكبر من الجميع.
المديح الكاذب لا يرفع الإنسان. أحيانا فقط يفصله عن حقيقته"
"خففوا من المجاملات قليلا. اتركوا الناس السيئة تدرك أنها سيئة. لا داعي للنفاق"
في "منكبنا البرزخي"، قلما تكون زيارة مسؤول عين حديثا في منصب رفيع، أو وجيه اتسع نفوذه السياسي وتعزز حضوره في مواقع القوة والبسطة والقرار، تعبيرا خالصا عن صدق النية أو عفوية الود أو متانة الروابط الإنسانية. فكثيرا ما تأتي هذه الزيارات محمولة على إيقاع الشعر، ومحاطة بطقوس الاحتفاء، ومزدانة بتنوع الموائد، في مشهد يتجاوز حدود المجاملة الاجتماعية إلى ما يشبه إعلان الولاء لموازين القوة الجديدة، واستباقا لما قد تتيحه من فرص ومنافع وامتيازات.
إنها عادة اجتماعية ذات خلفية سياسية، تستبطن الطمع وإن تلطف مظهرها، وتخفي حسابات المصلحة وراء ستار الوفاء المعلن، وتمنح النفاق والتزلف هيئة من التقاليد المألوفة التي يصعب الاعتراض عليها من دون أن يتهم المعترض بمخالفة الأعراف أو التنكر لمقتضيات المجاملة. وحين يصبح النفوذ معيارا للعلاقات، يغدو الإقبال على صاحب السلطة ضربا من الاستثمار في الحظوة، وتتحول الزيارة إلى رسالة مزدوجة، تهنئة في ظاهرها، واستعداد غير معلن لطلب نصيب من الامتيازات في باطنها.
ولا تقف هذه الممارسة عند حدود دوافع الزيارة وأهدافها، بل تمتد إلى الوفود التي تشكل للمشاركة فيها، حيث لا تسلم هي الأخرى من الانتقائية الموجهة وحسابات الإقصاء والإدراج، فلا يكون معيار الاختيار دائما صدق العلاقة أو استحقاق الحضور أو تمثيل التنوع تمثيلا منصفا، بل تتدخل اعتبارات القرب والولاء والمكانة، فتدرج أسماء وتستبعد أخرى وفق حسابات لا صلة لها بجوهر المناسبة ولا بصدق الموقف. وهكذا، تتحول عملية تشكيل الوفود أحيانا إلى جزء من المشهد نفسه، ترسم فيه أدوار الحضور والغياب بعناية، ويمنح فيه البعض فرصة الظهور أمام المزور، فيما يحرم منها آخرون لا لافتقارهم إلى الاستحقاق، بل لافتقارهم إلى أوراق النفوذ والحظوة. وبذلك، يغدو الوفد في بعض الحالات أقرب إلى واجهة لاستعراض الولاء وإعادة ترتيب مراتب القرب، منه إلى تعبير عفوي عن تضامن أو تقدير صادق.
ولأن هذه الممارسة تكررت حتى استقرت في الوعي الجمعي بوصفها عرفا لا يثير الاستغراب ولا يستدعي المساءلة، فقد أصبح من المألوف أن تتبدل وجهة المجاملات بتبدل مواقع القوة والنفوذ، فكما يتسابق البعض إلى أبواب المسؤول عند تعيينه، تتراجع الوجوه ذاتها عن زيارته حين يقال من منصبه، أو ينحسر نفوذه، أو تحاصره الخصومات، أو يترصد به من يرون أن ساعة الانتقام قد حانت. عندها تنكشف حقيقة الروابط التي بدت راسخة، ويتضح أن كثيرا من الود لم يكن موجها إلى الشخص بقدر ما كان رهينا بما يملكه من سلطة، وأن بعض مظاهر الوفاء لم تكن سوى قناع مؤقت لمصلحة تنتظر فرصتها.
وهكذا، لا تكمن المفارقة في كثرة الزائرين حين يعلو شأن المسؤول، ولا في وفرة القصائد وموائد التكريم عند صعوده، بل في سرعة اختفاء الوجوه نفسها حين ينحسر نفوذه، وفي الصمت الذي يعقب سقوطه، وكأن المكانة وحدها هي التي كانت تستحق الاحتفاء، لا الإنسان بما له من قيمة وكرامة. إنها إحدى مفارقات منكبنا البرزخي، حيث قد تُرفع المصلحة إلى مرتبة العرف، ويُسوّق التزلف باعتباره وفاء، ويُختزل تقدير الأشخاص في مواقعهم داخل خريطة النفوذ، فيما تُقاس مكانة الأفراد بمدى قربهم من مراكز القرار لا بما يتحلون به من خصال أو يقدمونه من عطاء.
ولعل أخطر ما في هذه العادة أنها لا تسيء إلى المسؤول وحده، بل تفسد معنى العلاقة بين الناس، وتعيد تشكيل الوعي الاجتماعي على قاعدة مفادها أن القرب من السلطة أهم من صدق المواقف، وأن الحظوة أضمن من الاستقامة، وأن الظهور أمام أصحاب القرار قد يكون أجدى من العمل الصامت والاستحقاق الحقيقي. وحين تستقر هذه المعايير، لا يعود النفاق سلوكا فرديا معزولا، بل يتحول إلى ثقافة اجتماعية تعيد إنتاج نفسها مع كل تعيين جديد، وتجد في كل صعود سياسي موسما آخر للازدهار، تتجدد فيه الوجوه والوفود، بينما تبقى الغايات القديمة على حالها.
ففي منكبنا البرزخي، لا يحتاج بعض الناس إلى تغيير مبادئهم كلما تبدلت موازين السلطة؛ يكفيهم أن يغيروا وجهة زياراتهم، وأن يعيدوا ترتيب وفودهم، وأن يستخرجوا القصائد ذاتها والموائد ذاتها من مخزون المجاملة، مع تغيير اسم صاحب الحظوة وموقعه. أما صدق العلاقات، فلا تكشفه مواسم الإقبال حين تفتح السلطة أبوابها، بل تختبره لحظات الانحسار، حين لا يبقى للمرء ما يقدمه سوى إنسانيته، ولا يبقى للزائر ما يرجوه سوى أن يكون وفيا لما يدعيه من مودة.

