الإبراهيمية والإسلام... أين يقف الحد الفاصل؟ /الولي سيدي هيبه؟

ثلاثاء, 15/09/2026 - 15:37

إذا كان مصطلح "الإبراهيمية" أو "الأديان الإبراهيمية" يستخدم في الحاصل من الخطاب المعاصر للدلالة - في أحد أشهر استعمالاته - على الإسلام والمسيحية واليهودية، يستخدم باعتبارها أديانا ترتبط بنبي الله إبراهيم عليه السلام، وتشترك في ذكر عديد الأنبياء والرسل والملائكة والصالحين وكثير من المفاهيم والتقاليد الدينية والأخلاقية، فإنه قد أصبح حاضرا كذلك في الدراسات المقارنة للأديان، وفي مشروعات الحوار والتعايش بين أتباعها.

غير أن وصف هذه الأديان بأنها "إبراهيمية" أو "عائلة دينية" لا يعني أنها متطابقة عقديا أو تاريخيا، إذ بينها اختلافات جوهرية تتعلق بمفهوم الوحي، والنبوة، والكتب المقدسة، والعقيدة، والتشريع، فضلا عن اختلافات عميقة في تفسير التاريخ الديني نفسه.

وبهذا، تقتضي الدقة التمييز بين استعمالات متعددة لمصطلح "الإبراهيمية" التي منها:

- الإبراهيمية بوصفها تصنيفا أكاديميا

يستخدم المصطلح في بعض الدراسات استخداما وصفيا وتحليليا لدراسة أوجه التشابه والاختلاف بين الإسلام واليهودية والمسيحية، بالنظر إلى ارتباط هذه المفاهيم والتقاليد الدينية بإبراهيم عليه السلام، أو بما ينسب إليه من إرث ديني وتاريخي.

وفي هذا السياق، لا يحمل المصطلح في ذاته معنى الدعوة إلى إنشاء "دين جديد"، ولا يعني إلغاء الفروق العقدية بين هذه الأديان. فهو، في جوهره، تصنيف للدراسة والمقارنة، لا عقيدة مشتركة.

- الإبراهيمية بوصفها إطارا للحوار والتعايش

يستخدم المصطلح أيضا في سياق الحوار بين أتباع الديانات المختلفة، مع التركيز على القيم الإنسانية المشتركة، مثل السلام، والتعاون، واحترام الإنسان، والتفاهم، ومواجهة التعصب والكراهية.

ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك "بيت العائلة الإبراهيمية" في "أبو ظبي" بالإمارات العربية المتحدة، الذي يضم مسجدا وكنيسة وكنيسا مستقلة، ويقدم المشروع نفسه باعتباره مساحة للتعلم والحوار والتفاهم والتعايش بين أتباع الأديان.

وفي هذا الاستخدام، لا يكون المقصود بالضرورة إقامة عقيدة دينية مشتركة، بل إيجاد مساحة للتواصل بين جماعات دينية مختلفة، مع البقاء لكل منها هويتها وشعائرها ومرجعيتها الدينية.

- الإبراهيمية بوصفها مشروعا دينيا أو فلسفيا توحيديا

هنا تظهر الإشكالية بصورة مختلفة، حيث أنه إذا انتقل الخطاب من مجرد الحوار والتعاون بين أتباع الأديان إلى القول بوجود دين واحد يجمع الإسلام والمسيحية واليهودية، أو إلى اعتبار العقائد المتعارضة بينها تعبيرات متساوية عن حقيقة دينية واحدة، أو إلى دمج بعض العقائد والعبادات في منظومة مشتركة، فإننا لا نكون أمام مجرد تصنيف أكاديمي أو مشروع للتعايش، وإنما أمام طرح ديني أو فلسفي مستقل يحتاج إلى دراسة وتقويم بذاته.

ولهذا لا يكفي الحكم على أي مشروع بمجرد اسمه، بل ينبغي النظر في أفكاره المعلنة وممارساته ومصادره والنتائج التي تترتب عليها.

أين أإذا يقع الحد الفاصل مع الإسلام؟

مما لا شك فيه أنه من المنظور الإسلامي، لا يتعارض التعايش مع أتباع الديانات الأخرى، والحوار معهم، والبر والقسط، والتعاون في الخير، واحترام الإنسان، ورفض الإكراه في الدين، مع أصل الانتماء إلى الإسلام.

لكن هذا الانفتاح في المجال الإنساني لا يعني، من الناحية العقدية، اعتبار جميع الأديان والعقائد متساوية في الحقيقة، ولا يعني أن الفروق الجوهرية بين الإسلام والمسيحية واليهودية يمكن تجاوزها أو إلغاؤها.

وعليه، فإن الحد الفاصل لا يتعلق بمجرد الاجتماع أو الحوار أو التعاون، وإنما يتعلق أساسا بالموقف من العقيدة.

فإذا كان المقصود بـ"الإبراهيمية" التعارف والحوار والتعايش بين أتباع أديان مختلفة، مع احتفاظ كل دين بعقيدته وعبادته وهويته، فهذا يختلف من حيث المبدأ عن الدعوة إلى إنشاء دين واحد أو عقيدة مشتركة.

أما إذا أصبح المقصود دمج العقائد والعبادات في منظومة دينية واحدة، أو اعتبار الإسلام والمسيحية واليهودية طرقا متساوية في الحقيقة العقدية، أو إسقاط الفروق المتعلقة بالتوحيد والوحي والنبوة والقرآن ومكانة رسول الله محمد ﷺ، فإن الأمر ينتقل من مجال الحوار بين الأديان إلى مجال الطرح العقدي. وهنا يظهر التعارض مع التصور الإسلامي للإيمان، لأن هذه المسائل ليست، في المنظور الإسلامي، تفاصيل هامشية يمكن تجاوزها من أجل بناء عقيدة مشتركة.

العلامة عبد الله بن بيه

من المهم في هذا السياق الإشارة إلى العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، بوصفه عالما معاصرا بخلفية "محظرية"، راسخة له اشتغال واسع بالفقه وأصوله، وبقضايا الحوار بين الأديان والتعايش والإشكالات الفكرية والدينية المعاصرة.

وإن مكانة الشيخ ابن بيه العلمية تجعل من المهم التعامل مع مواقفه في هذا الباب بجدية وإنصاف لكونه "مؤتمنا" على بيان الإسلام من منظور علمي شرعي، وعارفا بإشكالات الأديان ومجالات الحوار بينها، ولذلك لا يصح اختزال مواقفه في عبارات مبتورة أو نسبتها إليه اعتمادا على ما يتداوله الناس من غير الرجوع إلى كلامه الموثق وسياقه الكامل.

وفي الوقت نفسه، فإن احترام مكانة العالم لا يعني تعليق الحكم العلمي على مجرد الأشخاص، علما بأن المنهج المنضبط يقتضي الرجوع إلى النصوص والمواقف الموثقة، وفهم مقاصدها وسياقاتها، والتمييز بين ما يقوله العالم فعلا وبين ما قد ينسب إليه من تفسيرات أو مواقف لا يثبت تبنيه لها.

وهذا مهم بصورة خاصة في قضية "الإبراهيمية"، لأن استعمال المصطلح لا يدل وحده على موقف عقدي محدد. فقد يستعمله الباحث في إطار أكاديمي، أو يستعمله المتحاورون في إطار التعايش، بينما قد يستخدمه آخرون للدلالة على مشروع ديني أو فلسفي مختلف تماما. ومن ثم، فإن العبرة ليست بالاسم وحده، وإنما بالمضمون والمقصد والممارسة.

بيت العائلة الإبراهيمية

من المهم هنا عدم الخلط بين المصطلح العام وبين مشروع بعينه يحمل الاسم نفسه. فـ"بيت العائلة الإبراهيمية في "أبوظبي" يضم ثلاثة أماكن عبادة مستقلة، مسجدا وكنيسة وكنيسا، وتصف الجهات القائمة عليه المشروع بأنه مساحة للتعلم والحوار والتفاهم والتعايش بين أتباع الأديان.

وقد صدرت مواقف تؤكد أن المشروع لا يستهدف إنشاء "دين عالمي موحد"، وأن أماكن العبادة الثلاثة مستقلة. وقد تناول الأزهر هذا الموضوع في بيان له، رافضا تفسير المشروع على أنه محاولة لإنشاء دين موحد، ومؤكدا، بحسب ما ورد في هذا البيان، استقلال دور العبادة الثلاثة وعدم استهداف المبادرة لإذابة الفوارق بين الأديان.

وهذا التفصيل مهم منهجيا؛ لأن نقد فكرة "الدين الواحد" أو أي طرح توحيدي للأديان لا يقتضي نسبة هذا الهدف إلى كل مبادرة تستخدم وصف "إبراهيمية". وفي المقابل، فإن وصف مشروع ما بأنه مشروع للحوار والتعايش لا يعني تلقائيا أن جميع الطروحات التي تستخدم المصطلح نفسه تتطابق معه.

ومن ثم، ينبغي الفصل بين الوصف الرسمي لأي مشروع وبين التفسيرات أو الانتقادات التي تطرح حوله، وعدم نسبة موقف أو هدف إلى جهة معينة من دون دليل على تبنيه.

ليست "الإبراهيمية"، في المحصلة، مصطلحا ذا معنى واحد ثابت في جميع السياقات. فقد تكون تصنيفا أكاديميا لدراسة اليهودية والمسيحية والإسلام، وقد تكون خطابا للحوار والتعايش بين أتباع هذه الأديان، وقد تستخدم في بعض الطروحات للدلالة على مشروع ديني أو فلسفي يسعى إلى بناء أرضية عقدية مشتركة.

ومن المنظور الإسلامي، لا تكمن الإشكالية في التعايش مع اليهود والمسيحيين أو الحوار معهم، وإنما في الموقف من العقيدة. هل يبقى الحوار قائما على احترام خصوصية كل دين مع التعاون في المجالات المشتركة، أم يتحول إلى محاولة لدمج العقائد وإقامة دين أو عقيدة مشتركة؟

وعليه، فإن الصياغة الأكثر دقة علميا ليست القول إن "كل الإبراهيمية دين جديد"، ولا القول في المقابل إن "كل ما يسمى إبراهيمية مجرد حوار ديني"، بل الأصح هو تحديد المقصود بالمصطلح في كل سياق، ثم فحص أفكاره وممارساته ومصادره بصورة مستقلة، مع التمييز بين التصنيف الأكاديمي، والحوار بين الأديان، والطرح العقدي أو الفلسفي.

وبذلك يمكن مناقشة "الإبراهيمية" بعيدا عن التعميم، وبقدر أكبر من الدقة العلمية والوضوح العقدي والإنصاف في الحكم على الأشخاص والمشروعات.

ومن المنظور الإسلامي، لا تكمن الإشكالية في التعايش مع اليهود والمسيحيين أو الحوار معهم، وإنما في الموقف من العقيدة، هل يبقى الحوار قائما على احترام خصوصية كل دين مع التعاون في المجالات المشتركة، أم يتحول إلى محاولة لدمج العقائد وإقامة دين أو عقيدة مشتركة؟

وعليه، فإن الصياغة الأكثر دقة علميا ليست القول إن "كل الإبراهيمية دين جديد"، ولا القول في المقابل إن "كل ما يسمى إبراهيمية مجرد حوار ديني"، بل الأصح هو تحديد المقصود بالمصطلح في كل سياق، ثم فحص أفكاره وممارساته ومصادره بصورة مستقلة، مع التمييز بين التصنيف الأكاديمي، والحوار بين الأديان، والطرح العقدي أو الفلسفي.

وبذلك يمكن مناقشة "الإبراهيمية" بعيدا عن التعميم، وبقدر أكبر من الدقة العلمية والوضوح العقدي في آن واحد.