عندما ينزل حزب الانصاف رموزَ البلد منازلهم/الولي سيدي هيبه

خميس, 03/09/2026 - 20:01

ليست كل الزيارات إلى مقرات الأحزاب السياسية متشابهة، فبعض اللقاءات يتجاوز البروتوكول وعبارات المجاملة، ويحمل دلالات تتصل بعلاقة السياسة بالمجتمع ومرجعياته. وحين تستقبل مؤسسة سياسية قامة روحية وعلمية ومجتمعية بحجم العلامة الفخامة ولد الشيخ سيديا، فإنها تعبر عن إدراك لمكانة الرموز الوطنية في تشكيل الوجدان العام وصون القيم التي يقوم عليها المجتمع.

في هذا السياق، يكتسب استقبال رئيس حزب الإنصاف، السيد محمد ولد بلال مسعود، للعلامة الفخامة ولد الشيخ سيديا في مقر الحزب، دلالة تتجاوز حدود اللقاء في بعده البروتوكولي، لتعيد إلى الواجهة، في سياق سياسي ومجتمعي متغير، سؤال العلاقة بين العمل السياسي والمرجعيات الروحية والعلمية والاجتماعية التي تشكل جزءا أصيلا من الرصيد الرمزي للمجتمع، كما تفتح النقاش حول مدى قدرة المؤسسات الحزبية على الانفتاح على مختلف مكونات هذا الرصيد واستيعابها ضمن مقاربتها للعمل العام، بما يجعل السياسة فضاء للتواصل مع المجتمع بمختلف روافده وامتداداته، لا مجرد ساحة للتنافس على المواقع أو إدارة المصالح، ويمنح العمل الحزبي بعدا مجتمعيا أوسع يتأسس على الاعتراف بدور المرجعيات المؤثرة في تشكيل الوعي العام وتعزيز التماسك الاجتماعي. وقد عبر رئيس الحزب عن هذا المعنى بوضوح حين قال مخاطبا ضيفه "إنه لشرف كبير لحزب الإنصاف أن يستقبلكم اليوم، وأن يحظى بهذه الزيارة الكريمة التي نعتز بها كثيرا، وننظر إليها بما تستحقه من تقدير وإجلال"، و أضاف "ولقد كنا نتمنى أن يتم هذا الاستقبال في ظروف أفضل، وأن يهيأ له ما يليق بمقامكم الرفيع، وبمكانتكم العلمية والروحية والاجتماعية، وبما تمثلونه من رمزية وتأثير في مجتمعنا".

وتتجاوز أهمية اللقاء رمزيته المباشرة حيث لا تعمل الأحزاب في فراغ اجتماعي، ولا تستمد رصيدها من السياسة وحدها. فهي تعزز مشروعيتها حين تنفتح على المجتمع بمختلف روافده، وتحترم رموزه، وتصغي إلى أصوات العقل والخبرة، وتدرك أن بناء الدولة يتطلب تضافر السياسة مع العلم والثقافة والدين والقيم والتجربة الاجتماعية.

ومن هذه الزاوية، يمكن لاستقبال الرموز العلمية والروحية والمجتمعية أن يشكل جسرا بين المؤسسة السياسية والمجتمع، وبين العمل الحزبي والرصيد الأخلاقي والثقافي للأمة. وقد لمس رئيس الحزب هذا البعد حين أشار إلى أن "مجيئكم اليوم إلى حزب الإنصاف يحمل، في تقديرنا، أكثر من رسالة؛ فالشيخ الفخامة شخصية مؤثرة في المجتمع، وله أتباع ومريدون وتلاميذ كثيرون، يتميزون بالصدق والوفاء". ثم وسّع الدلالة لتشمل الامتداد الجغرافي والرمزي لهذه المكانة، "فالشيخ الفخامة شخصية مؤثرة في المجتمع... وهذا، في تقديرنا، هو أحد الأدوار التي ينبغي أن يضطلع بها الحزب من خلال احتضان الشخصيات والرموز المؤثرة، وفتح أبوابه أمام القامات التي لها حضور حقيقي في المجتمع، وأن يجعل من هذا الحضور جسرا للتواصل والتنسيق والتوجيه وخدمة الصالح العام".

ويكتسب حضور العلامة الفخامة ولد الشيخ سيديا في مقر حزب الإنصاف دلالة خاصة بالنظر إلى طبيعة المجتمع الموريتاني، حيث ظل العلم والفقه والمرجعية الروحية جزءا أصيلا من بنيته التاريخية. كما اضطلعت المحظرة والعالم والشيخ والمثقف والشاعر والوجيه الاجتماعي بأدوار مؤثرة في تشكيل الوعي العام، وحفظ السلم الأهلي، ونقل القيم بين الأجيال.

ويظهر من كلمة رئيس الحزب أنه يدرك هذا العمق، إذ قال: "فالحزب يقوم على الانضباط والمسؤولية، ويحتاج، في أداء رسالته، إلى التعاون مع الشخصيات الوطنية والروحية والاجتماعية ذات التأثير، بما يعزز وحدة المجتمع وتماسكه، ويخدم الأهداف الوطنية المشتركة"، ثم أردف "نفتخر بهذه الزيارة، ونعتبرها إضافة نوعية لمسار التواصل والانفتاح الذي ننتهجه، ونتطلع إلى أن تكون لها نتائج طيبة ومثمرة، وتفتح آفاقا أوسع للتعاون والتنسيق بين الحزب وهذه المكانة العلمية والاجتماعية الرفيعة".

لذلك، فإن إنزال رموز البلد منازلهم لا يقتصر على تكريم أشخاص، بل يشمل تقدير ما يمثلونه من قيم وتجارب وذاكرة جماعية. فاحترام هذه الرموز والاستماع إليها يعكسان وفاءً للبلد ولرصيده الحضاري، ويؤكدان أن بناء الحاضر لا ينفصل عن استيعاب دروس الماضي.

كما أن استحضار تعاليم الإسلام في هذا السياق ينبغي أن يفهم بوصفه إحالة إلى منظومة أخلاقية متكاملة، قوامها الصدق، والأمانة، والعدل، والتراحم، واحترام الإنسان، وصون السلم، وخدمة الصالح العام. وهذه القيم لا تنحصر في المجال الديني، بل توفر أساسا أخلاقيا لترشيد الممارسة السياسية وبناء الدولة والمجتمع.

وقد بدا هذا واضحاً في حديث رئيس الحزب عن المرحلة المقبلة، حين قال "إن البلاد مقبلة على محطات مهمة، والحزب والدولة أمام استحقاقات ومسؤوليات كبيرة، ونأمل أن يكون لكم فيها دوركم المعروف، بما تتمتعون به من مكانة وتأثير، وبما يمكن أن تسهموا به في توجيه أتباعكم وتلاميذكم وجماعاتكم نحو ما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز الاستقرار والوحدة". كما كشف عن جانب عملي من هذا التعاون المرتقب، إذ أشار إلى "جولات ميدانية للأمانة الدائمة للحزب على مستوى الولايات، بهدف التواصل المباشر مع المواطنين والمناضلين والمناصرين، وشرح توجهات الحزب وبرامجه والاستماع إلى انشغالات المواطنين"، مضيفاً أن "هذه الجولات ستصل إلى بوتلميت والترارزة ثم البراكنة، ونأمل أن تحظى هذه المحطات بمواكبة فضيلتكم وتلاميذكم وأتباعكم"، فالسياسة المنفصلة عن الأخلاق تتحول إلى صراع على النفوذ، والسياسة المنقطعة عن المجتمع تفقد قدرتها على فهمه، أما السياسة التي لا تصغي إلى أهل العلم والحكمة والخبرة فتحرم نفسها من مصادر مهمة للرشد.

ومن هنا يمكن قراءة الزيارة باعتبارها مؤشرا إلى تصور أوسع لدور الحزب في أن يكون فضاء جامعا ينفتح على المجتمع ويستفيد من خبرة علمائه ومثقفيه ومرجعياته ويجعل من السياسة وسيلة لخدمة الإنسان والوطن، لا غاية مستقلة عن حاجاتهما. وقد عبر رئيس الحزب عن هذا التصور بقوله "إن هدفنا جميعا هو أن نبني وطنا آمنا، متماسكا، مستقراً، تسوده روح الأخوة والتعايش، بعيدا عن التفرقة وخطابات العنصرية والكراهية، وأن نحصن مجتمعنا من كل الدعوات التي تهدد وحدته وانسجامه، وأن نمضي، خطوة بعد خطوة، في مسار التنمية والاستقرار وبناء دولة قوية متماسكة". كما تعيد هذه المناسبة كذلك الاعتبار لمفهوم الرمزية الوطنية. فالأوطان لا تبنى بالمؤسسات وحدها، على أهميتها، بل تحتاج أيضا إلى القيم والذاكرة المشتركة والشخصيات التي تركت أثرا يتجاوز زمنها ومواقعها.

وعندما ينزل الحزب رموز البلد منازلهم، فإنه يرفع مكانة الوطن في خطابه وممارسته، لأن احترام العلم، وتقدير الحكمة، والاحتفاء بالمرجعيات المجتمعية، وربط السياسة بالقيم، كلها عناصر تسهم في بناء الثقة وتعزيز انفتاح المؤسسة السياسية على محيطها. وقد حملت كلمة رئيس الحزب ما يؤكد هذا المعنى ويعمقه، إذ ختم قائلا "أجدد لكم، فضيلة الشيخ الفخامة، خالص الشكر وعظيم الامتنان على تشريفكم حزب الإنصاف بهذه الزيارة الكريمة، مؤكدا أن مقامكم عندنا أكبر من أن تختزله مناسبة عابرة أو ظروف استثنائية. وإن شاء الله ستكون لنا مناسبات أخرى للتواصل واللقاء، في ظروف أفضل، وبحضور أوسع، بما يليق بمقامكم الكريم وبالمكانة التي نكنها لكم".

لهذا يتجاوز اللقاء طابعه البروتوكولي، ليعبّر عن العمل على وصل السياسة بجذورها الاجتماعية والأخلاقية، وربط الأداء الحزبي بما هو أعمق من الظرف السياسي العابر، بالإنسان، والوطن، والقيم، والذاكرة، وبمستقبل يستند إلى رصيد الماضي وخبرة الحاضر وحكمة أهله.