
يعاني المثقف الموريتاني من انتقال لم يكتمل بعد، بين الماضي والحاضر، بين سلطة الموروث وضرورات الحداثة، وبين ثقافة تستمد شرعيتها من الماضي وثقافة مطالبة بأن تستمد شرعيتها من قدرتها على إنتاج المستقبل بأدوات الحاضر.
على ضوء التحولات العميقة التي أحدثتها العولمة، وما رافقها من ثورة رقمية وفَّرت أدوات غير مسبوقة لإنتاج المعرفة وتداولها ونشرها، لم يَعُدِ التميز الفكري والأدبي امتيازا محصورا في فئة اجتماعية أو ثقافية بعينها. فقد تهاوت، إلى حد كبير، الحواجز التي كانت تفصل بين منتج المعرفة ومتلقيها، وبين المركز والهامش، وبين حامل الشهادة وصاحب الموهبة؛ فأضحى بإمكان أي فرد، متى امتلك الفكرة والأداة والقدرة على التعبير، أن يحدث لنفسه حضورا فاعلا في الفضاء الثقافي العام. غير أن هذه الحقيقة ما زال يَجْحَدُها كثيرون، يتشبثون بماضٍ انقضى، ويتباهون بإرث ذويهم المعرفي في زمان ولَّى، "وتلك أُمَّةٌ قد خَلَتْ، لها ما كَسَبَتْ، ولكم ما كَسَبْتُمْ، ولا تُسْأَلونَ عَمَّا كانوا يَعْمَلون"، متناسين أن لكل ما كسب، وللرافضين ما يكسبون. وقد أعادت هذه التحولات الجذرية، في الشكل والمضمون، تعريف مفهوم المثقف ذاته، فلم تَعُد الثقافة حكرا على المؤسسات التقليدية، ولا على أصحاب المكانة الأكاديمية أو الاجتماعية، كما لم يَعدِ الكتاب المطبوع وحده مقياسا للإنتاج الفكري. فالمدوِن، والباحث الميداني، وصانع المحتوى، والمصور، والمخرج الوثائقي، والمبدع الرقمي - جميعهم باتوا قادرين على الإسهام في تشكيل الوعي العام وإنتاج المعنى، كل من موقعه وأداته.
لكن وفرة الأدوات لا تعني بالضرورة وفرة في الإبداع، كما أن اتساع دائرة التعبير لا يعني تلقائيا اتساع دائرة التفكير. فقد أصبح التحدي اليوم أقل ارتباطا بمن يملك حق الكلام، وأكثر ارتباطا بمن يملك ما يستحق أن يقال.
وهنا تكتسب الحالة الموريتانية خصوصيتها، حيث أن الثقافة في هذا البلد نشأت تاريخيا داخل منظومة معرفية واجتماعية شديدة الخصوصية، كانت فيها "المحظرة" فضاء مركزيا للعلم والتكوين، ومنها تخرج الفقيه والعالم والحافظ والشاعر، وتشكلت عبرها مكانة المعرفة ومرجعياتها. ثم جاءت المدرسة الحديثة، ومعها أنماط جديدة من التعليم والتخصص والمعرفة والوظيفة، لتنشئ تدريجيا نموذجا آخر من النخبة تضم الأستاذ، والباحث، والخبير، والموظف.
على ضوء التحولات العميقة التي أحدثتها العولمة، وما رافقها من ثورة رقمية وفّرت أدوات غير مسبوقة لإنتاج المعرفة وتداولها ونشرها، لم يعد التميز الفكري والأدبي امتيازا محصورا في فئة اجتماعية أو ثقافية بعينها. فقد تهاوت، إلى حد كبير، الحواجز التي كانت تفصل بين منتج المعرفة ومتلقيها، وبين المركز والهامش، وبين حامل الشهادة وصاحب الموهبة، فأضحى بإمكان أي فرد، متى امتلك الفكرة والأداة والقدرة على التعبير، أن يحدث لنفسه حضورا فاعلا في الفضاء الثقافي العام. غير أن هذه الحقيقة ما زال يجحدها كثيرون، يتشبثون بماض انقضى، ويتباهون بإرث ذويهم المعرفي في زمان ولى ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، متناسين أن لكل ما كسب، وللرافضين ما يكسبون.
وقد أعادت هذه التحولات الجذرية، في الشكل والمضمون، تعريف مفهوم المثقف ذاته، فلم تَعُدِ الثقافة حكراً على المؤسسات التقليدية، ولا على أصحاب المكانة الأكاديمية أو الاجتماعية، كما لم يعد الكتاب المطبوع وحده مقياسا للإنتاج الفكري. فالمدون، والباحث الميداني، وصانع المحتوى، والمصور، والمخرج الوثائقي، والمبدع الرقمي ـ جميعهم باتوا قادرين على الإسهام في تشكيل الوعي العام وإنتاج المعنى، كل من موقعه وأداته.
وظل المثقف الموريتاني، منذ تلك التحولات، يتأرجح بين عالمي المحظرة والمدرسة، الأولى بما تحمله من سلطة العلم الموروث وشرعية الأقدمين، والثانية بما تتيحه من معرفة حديثة وانفتاح على المناهج والأسئلة الكونية. غير أن الإشكال اليوم لم يعد في مجرد وجود هذين العالمين، بل في استمرار تأثيرهما في تحديد هوية من يستحق الاعتراف الثقافي، وما الذي يعد ثقافة جديرة بالتسمية، ومن يملك حق تمثيلها.
ففي الوقت الذي فتحت فيه العولمة والوسائط الرقمية الأبوابَ أمام أجيال جديدة، ما تزال شرائح معتبرة من المشهد الثقافي الموريتاني تعيد إنتاج مرجعيات بالية، وتستعيد الأسماء ذاتها، والموضوعات نفسها، والقوالب بعينها، وكأن الزمن الثقافي لم يتحرك بالسرعة التي تحرك بها المجتمع والعالم من حوله.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف عنها طويلا والتأمل المنتج والتساؤل عما إذا كانت حركة التدفق قد صحبت اتساع الفضاء؟ فكثرة الإنتاج الشعري، وتعدد المقالات، وتكاثر المنابر والمنشورات، لا تكفي وحدها دليلا على حيوية ثقافية، إذ قد تكون الوفرة وجها آخر للركود، حين يتحول الإنتاج إلى تكرار ممل، ويصبح تبجيل الأقدمين مجرد إعادة إنتاج لهم، ويغدو النقد مديحا مقنعا، أو خصومة شخصية مكشوفة، في حين تبقى الأسئلة الكبرى للحاضر خارج دائرة الاشتغال الحقيقي.
من هنا تبدأ الحاجة إلى مساءلة المشهد الثقافي الموريتاني لا من زاوية كمية الإنتاج، وإنما من زاوية نوعية الأسئلة، وجرأة النقد، وقدرة المثقف على الانتقال من تمجيد الماضي إلى فهمه، ومن وصف الحاضر إلى تفسيره، ومن الخوف من المستقبل إلى المساهمة في صناعته.
وهذه هي، في جوهرها، حالة المثقف الموريتاني اليوم، حالة انتقال لم يكتمل بعد، بين الماضي والحاضر، بين سلطة الموروث وضرورات الحداثة، وبين ثقافة تستمد شرعيتها من الماضي وثقافة مطالبة بأن تستمد شرعيتها من قدرتها على إنتاج المستقبل بأدوات الحاضر.

