
في اجتماع مهم، استوقفتني مداخلات متكررة مفادها أن الثورة الرقمية، بما أتاحته من سرعة هائلة في تداول المعلومات وهيمنة للصورة والوسائط المتعددة، قد قلصت من شأن الكتابة وأضعفت تأثيرها، حتى بدا وكأن الكلمة لم تعد تحتل المكانة التي كانت لها في الماضي. وقد يكون لهذا الرأي ما يبرره من حيث تغير وسائل التواصل، لكنه يغفل حقيقة أعمق، وهي أن التطور التقني لم يلغِ سلطة الكلمة، بل غيّر فقط الوسائط التي تحملها. فمهما بلغت التقنيات من تطور، ومهما تسارعت منصات الاتصال، فإنها تظل عاجزة عن إنتاج المعنى بذاتها، لأنها لا تنقل إلى الناس سوى ما تصوغه العقول في كلمات، وما تبنيه اللغة من أفكار ورسائل.
يذهب فريق غير قليل إلى أن عصر الكتابة والبلاغة الخطابية قد انقضى وأن الثورة الرقمية - غير المسبوقة - بما أفرزته من هيمنة للصورة والسرعة في تداول المعلومة قد نزعت عن الكلمة سلطانها، وجعلت البيان المكتوب أثرا من آثار الماضي. غير أن هذا الزعم لا يصمد أمام التأمل، لأن كل وسيلة من وسائل الاتصال، مهما بلغت من التطور، تظل في جوهرها محتاجة الى الكلمة التي تمنحها المعنى، وإلى اللغة التي تضبط رسالتها، وإلى الفكر الذي يوجهها.
فالصورة قد تدهش، لكنها لا تفسر نفسها، والمشهد قد يثير الانفعال، لكنه لا يبني فكرة، ولا يقيم حجة، ولا يصوغ موقفا. ومن ثم، فإن كل توثيق أو إعلام او تواصل مؤثر يبدأ من كلمة محكمة، وعبارة دقيقة، ونص متماسك يحسب لكل مفردة حسابها ويضع كل لفظ في موضعه. فالتقنية لا تنتج المعنى، وإنما تنقله، أما صناعة المعنى فتبقى رهينة البيان وجودة التعبير.
وليس أدل على مركزية الكلمة من أنها الوعاء الذي تصاغ فيه الدساتير والقوانين، وتحرر به البيانات الرسمية، وتبنى عليه القرارات الحكومية، وتسطر به الأحكام القضائية، وتعد برامج المشروعات التنموية، وتوضع السياسات العامة والإرشادات المنهجية والخطط الاستراتيجية. فكل مؤسسة، وكل إدارة، وكل مشروع، إنما يقوم أولا على نص مكتوب يحدد الرؤية، ويضبط الاجراءات، ويبين الحقوق والواجبات. ومن ثم، فإن الكلمة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي أداة للتشريع، والادارة، والقضاء، والتنمية، ولا يمكن الاستغناء عنها مهما تطورت وسائل الاتصال أو تنوعت تقنيات العرض.
ولعل المفارقة الكبرى أن العصر الرقمي، بدل أن ينتقص من قيمة الكتابة، قد ضاعف الحاجة اليها، إذ لم يعد الانسان متلقيا صامتا، بل أصبح منتجا للخطاب وصانعا للمحتوى، ومشاركا في تشكيل الرأي العام، ولقد ولى زمن احتكار الكلمة والعلم، وأصبح لكل فرد منبره وجمهوره، غير أن امتلاك المنبر لا يعني امتلاك التأثير، كما أن سهولة النشر لا تعني جودة القول.
ولم تعد كدلك المنافسة اليوم على حق الكلام فحسب، وإنما باتت على جودة الكلام ليبقى البقاء للأقدر على إحكام العبارة، وسلامة الحجة، وحسن العرض، وعمق الفكرة. ومن يملك ناصية اللغة يملك مفاتيح الاقناع، ويستطيع أن يحول المعلومة الى معرفة، والرأي الى قناعة، والكلمة الى قوة فاعلة في المجتمع.
من هنا، فإن الكتابة الرصينة والبلاغة المحكمة ليستا ترفا ثقافيا، ولا مهارة ثانوية يمكن الاستغناء عنها، بل هما من اهم أدوات الانسان المعاصر في بناء حضوره، وإثبات كفاءته، والمشاركة بندية وتكافؤ في الحوار الانساني وصناعة الوعي. فالكلمة هي التي تصنع الأفكار، وتوجه العقول، وتحرك المجتمعات، وهي التي تحول الرؤى الى خطط، والخطط الى أعمال، والأعمال الى منجزات. ولذلك كانت، وما تزال، وستظل أساس كل نهضة، وأداة كل إصلاح، والجسر الذي تعبر عليه الأفكار من العقول الى القلوب، مهما تبدلت الوسائل وتطورت التقنيات.

