
... ليس النقد البناء عداء للثقافة، وإنما هو شرطها الأول للتجدد والبقاء. فلا يمكن لأي مشروع ثقافي أن ينهض ما لم يراجع مناهج التعليم، ويحرَر النقد من المجاملات، وتشجع حركة التأليف والترجمة، وترع الفنون، وتدمج الثقافة في مشروع تنموي شامل يجعلها قوة منتجة للوعي والتنمية...
من يرصد مواطن الخلل في واقعنا الثقافي؟ سؤال لا ينبغي أن يبقى معلقا، لأن الإجابة تكون حتما عند أولئك الذين يحملون مسؤولية الوعي من النقاد الموضوعيين، والمفكرين الذين يقرأون الواقع بعين العلم والمنهج، والفنانين الذين يجددون أدوات التعبير من دون أن يتنكروا لجذورهم. فهؤلاء هم الأقدر على تشخيص الداء بدقة، إذ لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح ما لم يسبقه تشخيص سليم يكشف مواطن الخلل ويحدد أسبابها.
ولأننا حين نتأمل واقعنا الثقافي، تتكشف لنا سريعا فجوة واضحة بين الصورة التي نرسمها لأنفسنا، بوصفنا أهل علم وأدب، وبين ما يقدمه حاضرنا من شواهد عملية تؤكد تلك المكانة. فلا تزال الغلبة في كثير من الأحيان لـ"لخطاب الإنشائي" على حساب البناء الفكري الرصين، ولـ"ثقافة التبجيل" على حساب النقد الحر، حتى غدا الاختلاف يستقبل أحيانا بوصفه انتقاصا، لا ضرورة من ضرورات التطور.
ويزداد هذا القصور وضوحا مع غياب مؤسسات نقدية فاعلة تجعل النقد ممارسة ثقافية دائمة لا نشاطا موسميا أو كرنفاليا، ومع ضعف حركة الترجمة التي تحد من انفتاحنا على الفكر الإنساني وتجارب الأمم، فضلا عن تراجع، إن لم يكن غياب، الفنون الكبرى التي في مقدمتها السينما والمسرح، نتيجة عوامل تتصل بالعجز الجزئي عن مواكبة العصر وبالتمويل الضعيف، والتكوين المنعدم، وغياب السياسات الثقافية المستقرة.
ولعل ما يزيد المشهد التباسا أن بعض مظاهر الحضور الثقافي لا تعكس بالضرورة حيوية منظومة متكاملة، بل تعبر في كثير من الأحيان عن اجتهادات فردية لطاقات استثنائية استطاعت أن تشق طريقها بفضل موهبتها وإصرارها. غير أن نجاح الأفراد، مهما بلغ، لا يكفي دليلا على سلامة الواقع الثقافي لبلد، ولا يغني عن الحاجة إلى مؤسسات قادرة على صناعة الإبداع ورعايته واستدامته.
ولن نمل تكرار أن الأمم لا تقاس بما تحتفظ به من أمجاد الماضي، وإنما بما تنتجه في حاضرها من معرفة، وما تبدعه من فن، وما تضيفه إلى التراث الإنساني من أفكار وأعمال خالدة. أما الاكتفاء باستدعاء التاريخ دون صناعة إنجازات جديدة، فقد يمنح شعورا بالرضا، لكنه لا يصنع نهضة ولا يؤسس لمكانة ثقافية راسخة.
ومن هنا، فإن الخطوة الأولى نحو نهضة ثقافية حقيقية تكمن في الاعتراف الصريح بمواطن القصور الكثيرة، التي يعريها ترهل مسرح الحيوية الثقافية وشبه خواء منابر ومنصات الفكر، لا بقصد جلد الذات، بل بقصد تجاوزها. فالنقد البناء ليس خصومة مع الثقافة، وإنما هو أحد أهم شروط تجددها، ليظل هذا التجدد رهينا بمراجعة مناهج التعليم، وتحرير النقد من المجاملات، وتشجيع التأليف والترجمة، ورعاية الفنون، وربط الثقافة بمشروع تنموي شامل، حتى تغدو الثقافة قوة منتجة في المجتمع، لا مجرد حضور موسمي في الاحتفالات والمناسبات.

