الحوار الوطني الموريتاني... قراءة خارجية إيجابية/الولي سيدي هيبه

أحد, 19/07/2026 - 23:58

في عالم تتزايد فيه اليوم بؤر التوتر وتتراجع فيه فرص التوافق، تبرز موريتانيا أمام استحقاق وطني بالغ الأهمية يتمثل في الحوار الوطني الذي دعا إليه رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني. فهذا المسار لا يمثل مجرد مبادرة سياسية ظرفية، بل يعكس رؤية متكاملة تجعل من الحوار مدخلا لترسيخ الاستقرار وتعزيز الوحدة الوطنية ومتابعة الإصلاح الجاري والتنمية بوتيرة أسرع.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن البلدان التي نجحت في بناء توافقات داخلية واسعة هي الأكثر قدرة على حماية استقرارها وجذب الاستثمارات وتحقيق التنمية المستدامة، الامر الذي جعل المجتمع الدولي ينظر بإيجابية إلى كل مبادرة وطنية قائمة على الحوار الشامل والتوافق، باعتبارها تعزز مناعة الدول ومؤسساتها، ولا سيما في بيئة إقليمية تتسم بكثرة الأزمات والتحولات.

وفي هذا السياق، تأتي الرؤية التي أعلنها رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، لتؤكد أن الحوار ليس غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لتقوية الدولة وتوسيع قاعدة التوافق الوطني وإشراك مختلف الفاعلين في رسم مستقبل البلاد. وهي رؤية تنطلق من قناعة بأن الاستقرار السياسي هو الشرط الأول لكل تنمية حقيقية، وأن التنمية بدورها هي الضامن لاستمرار الاستقرار وترسيخ السلم الاجتماعي.

وقد تبنى حزب الإنصاف، برئاسة السيد محمد بلال مسعود، هذه الرؤية وجعلها محورا رئيسيا في خطابه السياسي، ساعيا إلى مواكبتها بعملية تجديد داخلي شملت البنية التنظيمية وآليات العمل وأدوات التواصل. وخلال الفترة الأخيرة، برز توجه واضح نحو تحديث الخطاب السياسي، واعتماد وسائل إعلامية وإعلانية أكثر احترافية، والاستفادة من أدوات الاتصال الحديثة، بما يعزز القدرة على التفاعل مع الرأي العام ومواكبة التحولات التي يشهدها الفضاء السياسي والتواصلي والإعلامي.

ولم يقتصر هذا التجديد على الجوانب التنظيمية والإعلامية، بل امتد إلى الاستثمار في التكوين السياسي والفكري للأطر والمناضلين، انطلاقا من إدراك أن الأحزاب الحديثة لا تقاس فقط بحجم حضورها الانتخابي، وإنما أيضا بقدرتها على إنتاج الكفاءات وتأطير المواطنين وصناعة نخب سياسية تمتلك المعرفة والوعي والقدرة على إدارة الشأن العام وفق رؤية وطنية مسؤولة.

وإن نجاح الحوار الوطني لن يقاس بعدد جلساته أو حجم المشاركين فيه، بل بما يفضي إليه من حلول عملية للقضايا التي تشغل المواطنين، وفي مقدمتها تعزيز "الحكامة الرشيدة" وترسيخ دولة القانون وتكافؤ الفرص ومحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية وتوجيه الثروات الوطنية نحو تنمية متوازنة تشمل جميع الولايات، بما يضمن العدالة في توزيع ثمار النمو ويعزز شعور المواطنين بالانتماء والمساواة.

فموريتانيا تمتلك من الإمكانات الطبيعية والبشرية ما يؤهلها لأن تكون نموذجا تنمويا واعدا. فهي تزخر بالثروات المعدنية والغازية والسمكية والزراعية، غير أن التحدي الحقيقي الذي رفعته حكومة معالي الوزير الأول المختار ولد اجاي، يكمن في تحويل هذه الموارد إلى مشاريع تنموية ملموسة تخلق فرص العمل وتنهض بالخدمات الأساسية وتحد من الفوارق بين المركز والداخل وبين مختلف الفئات الاجتماعية.

ولعل أهم ما يميز هذا المسار أنه يربط بين السياسة والتنمية في إطار مشروع وطني واحد علما بان الحوار يوفر مناخ الثقة، والثقة تفتح الباب أمام الاستثمار والإصلاح، والإصلاح يفضي إلى تنمية أكثر استدامة وعدالة، بما ينعكس إيجابا على مستوى معيشة المواطنين ويعزز الاستقرار الوطني.

كما أن ترسيخ ثقافة الحوار يمثل استثمارا في المستقبل، لأنه يؤسس لإدارة الاختلاف عبر المؤسسات ويجعل التنافس السياسي عامل إثراء للحياة الديمقراطية، لا سببا للانقسام أو التعطيل، وهي الرسالة التي تحتاجها موريتانيا اليوم، في وقت تتطلع فيه إلى ترسيخ مكانتها كدولة مستقرة وشريك موثوق ونموذج في محيطها الإقليمي.

وإن نجاح هذا المسار لن يكون انتصارا لفريق سياسي دون آخر، بل سيكون مكسبا لموريتانيا بأكملها، لأن كل خطوة تعزز الوحدة الوطنية وتوسع دائرة التوافق وتقلص الفوارق وتدعم الإصلاح، هي في حد ذاتها استثمار مباشر في مستقبل الأجيال القادمة. وإذا تمكنت القوى السياسية، ولا يغيب على الأغلبية والمعارضة، والمجتمع المدني، ضرورة جعل الحوار منصة لبناء توافقات دائمة حول القضايا الكبرى، ودعم أسس المرحلة الجارية التي عنوانها الدولة القوية بمؤسساتها، المستقرة بتوافقها، المزدهرة بتنميتها العادلة الشاملة للجميع.