
...إلى جانب المعوقات المادية وغياب السياسات الثقافية القادرة على النهوض بالفنون والسينما خاصة، أسهمت بعض التصورات الاجتماعية المحافظة والنظرة الجامدة إلى العمل الفني في تراجع جاذبية هذا المجال، مما دفع العديد من أصحاب المواهب إلى الانكفاء على أنفسهم أو الهجرة نحو فضاءات تتيح بيئة أكثر ملاءمة للإبداع والإنتاج...
لا تقتصر أهمية السينما على كونها فنا للمتعة والترفيه (Entertainment, Divertissement, Expression esthétique) والتعبير الجمالي، بل تمثل أيضا وسيلة لحفظ الذاكرة الجماعية، وأداة للتعريف بالهوية الوطنية، ورافعة اقتصادية وثقافية تساهم في تعزيز الحضور العالمي للبلدان. وقد شهدت دول المغرب العربي وإفريقيا تجارب سينمائية متفاوتة، تمكن بعضها من ترسيخ صناعة سينمائية متكاملة، بينما ظلت تجارب أخرى، رغم ما تمتلكه من مقومات واعدة، تبحث عن سبل الانطلاق والاستمرارية.
في الفضاء المغاربي، استطاع كل من المغرب والجزائر وتونس تأسيس حركة سينمائية نشطة، مستفيدة من مؤسسات متخصصة، وسياسات دعم عمومية، ومهرجانات دولية ساهمت في تحفيز الإنتاج وإبراز أسماء رسخت مكانتها في المشهد العربي والإفريقي والعالمي. وعلى الصعيد الإفريقي الأوسع، برزت تجارب رائدة كنيجيريا التي بنت صناعة سينمائية واسعة الانتشار، إلى جانب السنغال وبوركينا فاسو (فسباكو (FESPACO وجنوب إفريقيا، التي قدمت أعمالا ذات قيمة فنية وثقافية عالية، وأسهمت في تعزيز حضور السينما الإفريقية على الساحة العالمية.
وفي هذا السياق، يحتل موقع موريتانيا خصوصية، بحكم انتمائها المزدوج إلى الفضاءين المغاربي والإفريقي، وبفضل ما تختزنه من رصيد ثقافي وحضاري غني ومتعدد الروافد. فالتنوع الاجتماعي والثقافي، والثراء التراثي، والمخزون الشفهي، والشعر، والموسيقى، والذاكرة التاريخية (مدن وآثار قديمة)، فضلا عن تنوع المشاهد الطبيعية، كلها عناصر تشكل مادة إبداعية خصبة يمكن أن تؤسس لنهضة فنية وسينمائية واعدة.
غير أن الحركة الفنية عموما، والسينما خصوصا، لم تستطع حتى الآن الارتقاء إلى مستوى الإمكانات المتاحة. فرغم وجود مواهب عديدة وطاقات إبداعية كامنة، ما تزال الصناعة الثقافية في البلاد تواجه تحديات بنيوية متعددة، في مقدمتها غياب رؤية استراتيجية تدرج الثقافة والفنون في أولويات التنمية، وضعف البنية التحتية الخاصة بالإنتاج والعرض والتكوين، ومحدودية التمويل، وانعدام الحوافز الكفيلة بجذب الاستثمارات الخاصة نحو القطاع الثقافي.
كما أسهم اختفاء دور السينما وغياب المسارح وتراجع الفضاءات الثقافية ودور العروض في إضعاف الصلة بين الجمهور والفن، في وقت ظلت فيه المبادرات الفردية تتحمل عبء المحافظة على شعلة الإبداع. وإلى جانب ذلك، أدت بعض التصورات الاجتماعية المتحفظة تجاه العمل الفني إلى الحد من جاذبية هذا الحقل، مما دفع كثيرا من أصحاب المواهب إلى الانكفاء أو الهجرة بحثا عن ظروف أفضل للإبداع والإنتاج.
ومع ذلك، فالمشكلة لا تكمن في غياب المقومات، بقدر ما تتمثل في ضعف استثمارها وتحويلها إلى قوة ناعمة وصناعة ثقافية قادرة على خلق الثروة وفرص العمل وتعزيز إشعاع البلاد. فالنجاحات التي حققتها بعض الأسماء الموريتانية على الصعيد الدولي والوطني عبد الرحمن سيساكو، حاز فيلمه "تمبكتو" على جوائز "سيزار" الفرنسية ورشح للأوسكار، محمد هندو من رواد السينما الأفريقية، أخرج أعمالا هامة تناقش الهجرة والعنصرية مثل فيلم "Soleil Ô"،الشاعر والمسرحي والرائد السينمائي همام فال والمخرج محمد ولد السلك (فلمي ميمونة وترجيت) والشينمائي البرلماني سيدني سخنا، وعبد الرحمن أحمد سالم (أحمد طوطو) مخرج ومؤسس دار السينمائيين الموريتانيين، تؤكد أن الإبداع الوطني قادر على المنافسة متى توافرت البيئة الملائمة والدعم المؤسسي اللازم.
إن التجارب السينمائية الرائدة في المغرب العربي وإفريقيا تثبت أن الثقافة ليست ترفا، بل استثمارا استراتيجيا ومجالا حيويا لتعزيز التنمية وترسيخ الهوية والانفتاح على العالم. ومن ثم، فإن النهوض بالحركة الفنية والسينمائية في موريتانيا يقتضي رؤية شاملة تقوم على تشجيع التكوين، وإحياء فضاءات العرض، ودعم الإنتاج، واكتشاف المواهب الشابة، وتوفير الأطر القانونية والمؤسساتية الكفيلة بتحويل هذا الرصيد الثقافي الغني إلى مشروع حضاري وتنموي متكامل.
فموريتانيا لا تعاني من فقر في الإبداع أو ندرة في المواهب، وإنما تواجه تحدي تحرير الطاقات الكامنة وإخراجها من دائرة التهميش إلى فضاء الفعل والتأثير. وإذا ما أحسن استثمار هذه الثروة الثقافية، فإن البلاد ستكون قادرة على بناء تجربة سينمائية وفنية متميزة، تستمد خصوصيتها من عمقها العربي والإفريقي، وتسهم في تعزيز حضورها الثقافي داخل محيطها الإقليمي وعلى الساحة الدولية.






