
في خضم التحولات الوطنية والإقليمية المتسارعة، لم يحد نهج فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، عن خيارات واضحة المعالم تفضل الاعتدال على التسرع، والحوار على المواجهة، وصون المصالح العليا للدولة على استجابة الآنية. وليس هذا الثبات الذي يطبع مساره مجرد خيارات ظرفية، بل يجسد فلسفة سياسية متكاملة تقوم على ضبط الإيقاع، والحفاظ على هامش المناورة للبلاد، وتأطير القرار العام ضمن منظور استراتيجي بعيد المدى، بدلا من استسلامه لإكراهات الطوارئ.
الحوار ركيزة للاستقرار
إن اللجوء إلى الحوار، لا سيما في مرحلة مبكرة توجه يمنع تحول الخلافات إلى أزمات ويعكس رؤية رصينة لممارسة السلطة. ففي مجتمع تتشابك فيه الحساسيات والمصالح والرؤى، لا يقتصر الحكم على إصدار القرار، بل يتسع ليشمل الإصغاء والفهم والبحث عن أرضية توافقية تحفظ اللحمة الوطنية وتضمن أمن الوطن. والحوار هنا ليس تنازلا أو تواصلا شكليا، بل أداة وقائية لامتصاص التوتر واحتواء الإحباط، وجسر لتعزيز الثقة بين مكونات المجتمع، انطلاقا من يقين بأن الاستقرار الدائم لا يستورد ولا يفرض، بل يبنى بالفعل التواصلي والتشاركي.
ضبط النفس كخيار استراتيجي
وتتجلى هذه الروح في مقاربة رئيس الجمهورية للمحيط الإقليمي، انطلاقا من إدراك عميق بأن موريتانيا تتحرك في بيئة جيوسياسية بالغة الحساسية، حيث يمكن للتوترات الأمنية والتنافسات السياسية أن تنتج تداعيات عابرة للحدود. وفي هذا السياق، فإن مقاومة التصعيد مع الجيران لا تعكس ضعفا، بل قراءة واقعية لموازين القوى وعواقب كل خطوة. فالحفاظ على الأمن الوطني يقتضي تغليب لغة التهدئة والحلول التفاوضية، مع التمسك الراسخ بالثوابت السيادية. والحكمة السياسية هنا لا تقتصر على إظهار القدرة على الرد، بل تتجلى في معرفة ما يترك دون قول أو فعل، وما يجب ألا يتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.
الاستقلالية الدبلوماسية رافعة للقوة الوطنية
ويمتد هذا النهج إلى دبلوماسية تحافظ على مساحة من الاستقلالية في قضايا المنطقة والعالم. ففي عالم متزايد الاستقطاب، تضيق فيه خيارات الحياد، يشكل الحفاظ على القدرة على الحوار مع الجميع مكسبا حقيقيا. ولا يتعلق الأمر باللامبالاة، بل بتجنيب البلاد صراعات ليست لها، والاحتفاظ بفرصة المساهمة في الحلول عندما تستدعي الظروف. وهذه المقاربة تعكس إرادة عدم تحويل كل قضية خارجية إلى خيار نهائي، وتمنح الدبلوماسية الوطنية حركة تكتيكية فاعلة، حيث تتحول الاستقلالية، في عالم تكلف فيه الاصطفافات أكثر مما تجني، إلى شكل من أشكال القوة الناعمة لدولة الواثقة.
التوازن في إدارة الهجرة
وتتجلى ضرورة التوازن في ملف الهجرة واللجوء، أحد أكثر الملفات تعقيدا في المنطقة. فموريتانيا، الواقعة على واجهة ساحلية-أطلسية تشهد حراكا سكانيا وهشاشة اقتصادية وأمنية، لا يمكنها إدارة هذه التدفقات بالارتجال أو المزايدة. بل تقتضي الموازنة بين حماية الحدود دون انغلاق، وتأمين الاستقرار دون انتهاك الكرامة الإنسانية، والتعاون مع الشركاء دون التفريط في المصالح الوطنية، والاستجابة للطوارئ دون إغفال الآثار البعيدة المدى. وهنا يبرز نضج السياسة الهجرية في قدرتها على الجمع بين هذه المتطلبات، لتصبح أداة استقرار لا مصدر توتر.
الواقعية الاقتصادية وتمكين المواطن
وتجد هذه النظرة امتدادا في الواقعية الاقتصادية التي تصبغ العمل العام، إذ لا يمكن فصل السياسات المستدامة عن القدرات الحقيقية للدولة، والموارد المتاحة، والتطور التدريجي للقدرات الذاتية للمواطنين. التنمية ليست مضاعفة للالتزامات أو استجابة لحظية لكل الطموحات، بل بناء سياسات قابلة للتطور بوتيرة تتناسب مع التحولات المجتمعية وتوسع القدرات الإنتاجية، مع إشراك المواطنين كفاعلين في مسارهم التنموي. وتقوم هذه المقاربة على عقلانية تواكب الطموحات دون استباقها مصطنعا، وتكيف السياسات مع الإمكانات الفعلية، وتجعل تحسين مستويات العيش مرهونا بالتمكين الاقتصادي وخلق القيمة.
الاعتدال عقيدة في الحكامة
، يعد الاعتدال في هذا السياق أكثر من مجرد أسلوب، لإنه عقيدة في العمل العام تقوم على معرفة متى نتحرك، وإلى أي حد نمضي، ومتى نتريث، وكيف نصون وراء كل قرار لحظي المصالح البعيدة المدى للدولة. ففي بيئة تتسم بعدم اليقين وسرعة الأحداث، تشكل القدرة على مقاومة منطق الاستعجال ميزة استراتيجية. فالتريث، حين يستند إلى رؤية واضحة وحزم في الدفاع عن المصلحة الوطنية، لا يعني غياب القرار، بل أسلوبا مختلفا في اتخاذه، يراعي ألا تضحى مصالح الغد بردود فعل اليوم. وهنا تكمن حكمة الاعتدال الرئاسي الذي يذكر بأن القوة ليست في الصخب، ولا الحزم في التصعيد، ولا القرار في التسرع.

