وفاء للتراث ومواكبة للعصر/الولي سيدي هيبه

أحد, 05/07/2026 - 12:23

ليس اعترافا عابرا أن تصدر قامة شعرية، نهلت من ينابيع القصيدة العمودية وتعتبر مرجعية من مرجعيات الذائقة الأدبية في موريتانيا، بصوتها في الندوة الثانية من  برنامج "مرافئ الأدب" مقرة بشرعية الشعر الحديث. فهذا الموقف يحمل دلالة تحول هادئ في الوعي النقدي، وانفتاح متدرج على حقيقة باتت تؤكدها التجارب العربية والعالمية بأن الشعر لا يختزل في شكل واحد، ولا يحتكر الجمال قالب بعينه.

وبالطبع لا يعني هذا الفتح الجديد للشعر الحديث مساسا بمكانة القصيدة العمودية العالية، أو أن الدعوة إلى الحداثة تستبطن القطيعة مع التراث. فسيظل العمود الشعري أحد أعمدة الهوية الأدبية العربية المكينة، كما أن التراث يظل مصدرا لا ينضب للقيم الجمالية واللغوية. غير أن الحفاظ على هذا الإرث لا يقتضي إغلاق المجال أمام أشكال أخرى أثبتت قدرتها على التعبير عن الإنسان المعاصر، ولا سيما قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، اللتان أصبحتا جزء أصيلا من الخريطة الشعرية العربية أسوة بالعالمية في القرية الكونية الضئيلة.

لقد احتفظ الشعر الموريتاني، بحكم البيئة العلمية التي نشأ فيها، بخصائص مميزة، من أبرزها الميل إلى القصائد الطويلة، والاعتماد على اللغة التراثية الجزلة، والإحكام العروضي الصارم. وقد أسهمت هذه السمات في منحه مكانة مرموقة داخل الفضاء العربي، بوصفه امتدادا لتقاليد شعرية راسخة.

غير أن هذه الخصائص نفسها تستدعي اليوم مراجعة نقدية هادئة، لا بهدف التخلي عنها أو الانتقاص من قيمتها، وإنما لإعادة النظر في مدى قدرتها على مواكبة التحولات التي عرفها المجتمع والإنسان المعاصر. فاللغة، باعتبارها الوعاء الأول للشعر، ليست كيانا جامدا، بل هي كائن حي يتطور باستمرار، يميل إلى التبسيط والوضوح، ويتكيف مع تغير أنماط التواصل ومتطلبات الفهم والتلقي، ومن ثم فإن الإبقاء على لغة شعرية شديدة التعقيد أو شديدة الارتهان للمعجم التراثي قد يحد من قدرة القصيدة على الوصول إلى جمهور أوسع، خاصة في ظل التحولات الثقافية والإعلامية التي أعادت تشكيل ذائقة المتلقي.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى القطيعة مع التراث اللغوي، وإنما إلى تحقيق توازن بين أصالة التعبير ومرونة اللغة، بما يتيح للشعر الموريتاني أن يحافظ على هويته الفنية، وفي الوقت نفسه يظل قادرا على مخاطبة الإنسان المعاصر بلغته وهمومه وأفقه الثقافي.

فالقصيدة الطويلة كانت ابنة زمن المشافهة الملحمية، حين كان الإنشاد هو وسيلة التلقي الأولى، وكانت البلاغة تقوم على الامتداد والاستقصاء. أما اليوم فقد تغيرت شروط القراءة، وأصبح القارئ أكثر ميلا إلى النص المكثف الذي يختزن أكبر قدر من الدلالة في أقل مساحة ممكنة. ولم يعد طول القصيدة فضيلة في ذاته، كما أن الإيجاو ليس ميزة بذاته، وإنما المعيار الحقيقي هو مدى قدرة النص على الاحتفاظ بتوتره الجمالي وطاقته التعبيرية من بدايته إلى نهايته.

ويصدق والأمر نفسه على التعبير، حيث اللغة التراثية ليست عائقا أمام الحداثة إذا بقيت أداة للبيان، لكنها قد تتحول إلى عبء حين تصبح غاية مستقلة، أو حين ينصرف جهد الشاعر إلى إظهار تمكنه من المعجم أكثر من انشغاله ببناء التجربة الشعرية. فاللغة الحية هي التي تستطيع أن تحمل هموم عصرها، وأن تظل قادرة على التواصل مع القارئ دون أن تفقد عمقها وجمالها.

من البديهي التذكير بأن المكان الذي يكتب فيه الشاعر الموريتاني تغير، كما تبدلت الحياة نفسها. فالمدينة توسعت، والهجرة أصبحت جزء من التجربة الجماعية، والعالم الرقمي أعاد تشكيل العلاقات الإنسانية، وتغيرت أنماط العيش والعمل والتفكير. وهذه التحولات لم تغير المكان فحسب، بل غيرت المشاعر والرغبات والقلق والأسئلة الوجودية أيضا. ومن الطبيعي أن تبحث القصيدة عن لغة وصور وإيقاعات تستوعب هذه المتغيرات، لأن الشعر ابن زمانه بقدر ما هو وريث ماضيه.

ومن هنا فإن الحداثة لا ينبغي أن تفهم باعتبارها تمردا على التراث، وإنما بوصفها قدرة على إعادة قراءة التراث في ضوء الحاضر. فالنصوص العظيمة لا تعيش لأنها قديمة، بل لأنها قادرة على أن تتجدد في كل عصر، والشاعر الحقيقي لا يقلد السابقين، وإنما يحاورهم ويضيف إلى تجربتهم.

ولا يمكن إغفال أثر الأجيال المؤسسة في تشكيل الذائقة الشعرية الموريتانية وقد أسهمت في حماية اللغة العربية، وصون مكانة الشعر، وترسيخ معايير عالية في الصناعة الشعرية، وهو فضل لا ينكره أحد. غير أن التحولات الثقافية تقتضي أن يتحول هذا الحضور من سلطة تحدد ما يجوز وما لا يجوز، إلى مرجعية تستلهمها الأجيال الجديدة وهي تخوض تجاربها الخاصة.

ولعل من أهم الإشارات التي برزت في السنوات الأخيرة أن أصواتا من الجيل الأكبر بدأت تعترف بشرعية الأنماط الشعرية الحديثة، وتنظر إليها بوصفها إضافة إلى المشهد الثقافي لا تهديدا له. وهذا الاعتراف يحمل قيمة رمزية كبيرة، لأنه يخفف من حدة الاستقطاب بين القديم والجديد، ويفتح المجال أمام حوار أدبي أكثر نضجا، يقوم على تقييم النصوص بمعاييرها الفنية، لا بأشكالها الخارجية.

فليس كل شعر عمودي شعرا عظيما، كما أن كل قصيدة حديثة ليست بالضرورة قصيدة ناجحة. فالمعيار الحقيقي يظل هو جودة النص، وعمق التجربة، وأصالة الرؤية، وقدرة الشاعر على ابتكار صورة جديدة، وصوت مختلف، يضيف إلى التجربة الإنسانية ولا يكرر ما سبق قوله.

إن المشهد الشعري الموريتاني يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لتوسيع مفهوم الشعر، بحيث يتسع لجميع التجارب الجادة، ويمنح كل شكل فني حقه في الوجود والاختبار. فالإبداع لا يزدهر بالإقصاء، ولا يتطور بالمصادرة، وإنما بالحوار والتفاعل والتنافس الخلاق.

ولهذا فإن المقاربة الوسطية تبدو اليوم أكثر حكمة من أي وقت مضى حيث أنها لا تدعو إلى هدم التراث، ولا إلى تجميده، بل إلى استثماره بوصفه قاعدة ينطلق منها التجديد. كما أنها لا تحتفي بالحداثة لمجرد حداثتها، وإنما بقدرتها على إنتاج نصوص تمتلك قيمتها الفنية والفكرية.

إن التطور الأدبي لا يستأذن أحدا، ولا يتوقف عند حدود الأذواق الفردية أو سلطة الأجيال لأنه مسار طبيعي تحكمه حركة المجتمع، وتطور المعرفة، وتحول الإنسان نفسه، وأنه كلما اتسعت مساحة الحرية أمام المبدعين، واتسع صدر النقد لاستقبال المختلف، ازدادت قدرة الأدب الموريتاني على تجديد نفسه، وعلى الحضور في المشهد العربي والعالمي بوصفه تجربة تجمع بين أصالة الإرث وجرأة الرؤية، وبين جمال اللغة وحيوية الحياة.