
إن وصف دعوة بيرام الداه اعبيد من قبل حزب باستيف بـ"الإهانة الدبلوماسية" لا يستند إلى حجة قوية بالنظر إلى سياق المؤتمر وكيفية سيره. فهذا الوصف يعبر أكثر عن قراءة جدلية وسياسية أكثر مما هو تحليل موضوعي للحقائق والديناميكيات الجديدة التي تميز اليوم العلاقات بين التنظيمات السياسية في المنطقة.
قد تكون هذه الدعوة تعبيرا عن استراتيجية سياسية خاصة بحزب "باستيف"، لكن لا شيء يسمح باعتبارها تحمل نية سيئة تجاه السلطات الموريتانية أو رغبة في إحراج حزب "الإنصاف". فالعلاقات بين الدول ليست مرآة لمبادرات الأحزاب السياسية، التي أصبحت تخلق فضاءاتها الخاصة للتبادل والتعاون على المستوى الإقليمي.
من هذا المنظور، وجه حزب "الوطنيون الأفارقة في السنغال من أجل العمل والأخلاق والأخوة - باستيف" الدعوة لشخصيات ووفود من خلفيات متنوعة بهدف تعزيز إشعاعه الإقليمي وتوطيد علاقاته مع فاعلين مختلفين في القارة. وهذا النوع من التحركات يندرج ضمن الدبلوماسية الحزبية، ولا يمكن تفسيره على أنه مساس بالعلاقات بين داكار ونواكشوط. فليس هناك ما يشير، في تنظيم المؤتمر أو في مجرياته، إلى وجود رغبة في مضايقة حزب الإنصاف، الذي أبدى مسؤولو باستيف تجاهه احتراما وتقديراً
أما مشاركة الحزب الحاكم في موريتانيا فقد أظهرت قدرته على التحرك بسلاسة داخل فضاءات تعددية تتجاور فيها توجهات مختلفة وأحيانا متباينة. فالتواجد المتزامن لـ"لإنصاف" وبيرام الداه اعبيد لم يخلق أي جدل أو حادث يذكر، مما يؤكد مناخ الانفتاح والحوار الذي طبع أشغال المؤتمر.
وقد شارك وفد "الإنصاف" في النقاشات بمسؤولية وهدوء وتوازن ورغبة في الحوار. ولاحظ العديد من المراقبين جودة مداخلاته، وإبرازه للتجربة الموريتانية في مجال التعاطي والتشاور السياسي، وتمسكه وحرصه على الاستقرار المؤسسي، ورؤيتهالثاقبة للتنمية والتعاون الإقليمي. كما جسد حضوره قدرة "الإنصاف" على الحوار مع شركاء من توجهات مختلفة دون التخلي عن قناعاته الخاصة.
وبالتالي، فإن المحاولات التي تهدف إلى تقديم هذه المشاركة بشكل سلبي أو التقليل من أهميتها تبدو وكأنها إنشاءات جدلية أكثر منها تحليلات مبنية على الوقائع. وهي تعكس أحيانا رغبة واضحة في صرف الانتباه عن جودة تمثيل "الإنصاف"، وحرمان هذا الحضور المسؤول والملفت من التقدير الذي ناله.
لقد أظهر سير المؤتمر، الذي لم يشهد توترات خاصة أو رغبة في الإقصاء، إمكانية تعايش فاعلين ذوي توجهات متباعدة أحيانا في فضاء واحد، وجسد صعود التعددية والحوار في العلاقات بين التنظيمات السياسية الأفريقية.
لذا، فإن الحديث عن "إهانة دبلوماسية" يبدو بعيدا عن الحقائق التي لوحظت. فهذا الوصف يفترض وجود نية للإذلال أو وضع واضح من المكاشفة والإحراج، وهو ما لم تثبته أي وقائع موضوعية.
وإذا كان حزب "باستيف" قد سعى إلى تأكيد مكانته الإقليمية وهويته السياسية، فإن مشاركة حزب "الإنصاف" في المؤتمر أبرزت بالأساس انفتاحه، وحسه المسؤول، ورغبته في الانخراط في ديناميكيات الحوار الحزبي الجديدة في المنطقة. وتبدو هذه المحطة أشبه بتجسيد للنضج السياسي وتنوع التبادلات بين أحزاب القارة، أكثر منها حلقة من المواجهة أو الإساءة الدبلوماسية.

