المرأة من شرعية الحضور إلى رهانات الإبداع/الولي سيدي هيبه

أحد, 31/05/2026 - 14:44

" إن القيمة الأدبة لا تبنيها المجاملة، وإنما تبنيها النصوص القادرة على البقاء حين يسقط الضجيج وينقشع الغبار، وتبقى الجودة الإبداعية وحدها المعيار"

لا ينبغي أن ينطلق الحديث عن مكانة المرأة الموريتانية في الأدب من منطق الاحتفاء العاطفي ولا من نزعة التقليل الجارحة، وإنما من قراءة علمية تضع الظاهرة في سياقها التاريخي والاجتماعي والثقافي في عصر تقلصت فيه الحدود الواهية بين الأدب النسائي والأدب الذكوري من ناحية، وتقلص كذلك الفصل بين القيمة الرمزية للحضور النسائي وبين القيمة الفنية للمنجز الأدبي نفسه من ناحية أخرى. فالمجتمعات التي تعيش تحولات ثقافية متأخرة غالبا ما تميل إلى تضخيم كل اختراق اجتماعي باعتباره إنجازا استثنائيا، حتى قبل أن يتحول ذلك الاختراق إلى تراكم معرفي وإبداعي راسخ يحدث عن نفسه.

ومن البداهة القول إن المرأة الموريتانية ظلت ردحا طويلا من الزمن، أسيرة بنية اجتماعية محافظة جعلت المجال العام والثقافي حكرا نسبيا على الرجل، بينما انحصر دورها في وظائف اجتماعية تقليدية، رغم ما كانت تتمتع به بعض البيئات العلمية من حضور نسائي في الحفظ والرواية والتكوين "المحظري". غير أن الانتقال التدريجي نحو التعليم النظامي، وظهور الجامعات، واتساع الفضاء الإعلامي، ووسائل التواصل الحديثة، أتاح للمرأة فرصة الولوج إلى فضاء الكتابة والتعبير والنشر، فبرزت أسماء نسائية في الشعر والرواية والقصة والمقالة والدراسات الفكرية.

غير أن السؤال الجوهري ليس متى كان حضور المرأة في المشهد الأدبي؟ فالحضور حاصل بلا شك، وإنما السؤال الحقيقي عما إذا كان هذا الحضور أنتج تيارا أدبيا متماسكا يمتلك خصائص فنية ورؤية فكرية قادرة على فرض نفسها في خارطة الأدب المحلي والعربي والعالمي؟ وهنا تصبح المقاربة أكثر تعقيدا وأقل خضوعا للانفعال.

فعند إخضاع المشهد الأدبي النسائي الموريتاني لمعايير النقد الأدبي الحديثة، يلاحظ أن حجم الإنتاج ما يزال محدودا من حيث الكم، وأشد محدودية من حيث التأثير والتراكم النوعي. فعدد الروايات والدواوين والدراسات التي استطاعت أن تفرض نفسها محليا وتعبر الحدود إلى التداول الجاد على المستوى العربي -وما بعده- ما يزال قليلا، كما أن كثيرا من النصوص تعاني من مشكلات فنية تتعلق بالبناء السردي، وعمق الرؤية، وكثافة اللغة، والقدرة على إنتاج أسئلة إنسانية تتجاوز المحلي والآني.

ولا يعود ذلك بالضرورة إلى ضعف المرأة الكاتبة في ذاتها، بل إلى هشاشة البنية الثقافية العامة في موريتانيا علما بأن الأزمة هنا أزمة حقل ثقافي كامل، لا أزمة جنس بعينه والمشهد الأدبي الموريتاني – بكلا الجنسين -  يعاني من قلة دور النشر، وضعف حركة الترجمة، وغياب المؤسسات النقدية المؤثرة، وانعدام المجلات الأدبية المحكمة، وضعف المقروئية، وهيمنة الثقافة الشفهية على حساب الثقافة الكتابية. ولذلك فإن الإنتاج الأدبي غالبا ما يولد في بيئة لا توفر شروط النضج والتراكم.

ومن هنا يصبح من الخطأ تفسير محدودية المنجز النسائي بوصفها دليلا على قصور المرأة وحدها، كما يصبح من الخطأ أيضا تحويل مجرد الحضور النسائي إلى "أسطورة أدبية" تتجاوز الواقع الفعلي للنصوص لأن الكتابة لا تقاس بالنيات الحسنة ولا بالشعارات التقدمية، وإنما بما تضيفه إلى الفن والمعرفة والوعي الإنساني.

ومن الإشكالات الكبرى كذلك أن النقد الأدبي المحلي كثيرا ما يتحول إلى ممارسة اجتماعية تحكمها المجاملة والاعتبارات الشخصية أكثر مما تحكمها المعايير الفنية الصارمة. فبعض الأعمال تستقبل بحفاوة لا تعكس دائما قيمتها الإبداعية، ويصبح مجرد نشر كتاب أو ظهور اسم نسائي كافيا أحيانا لإنتاج خطاب احتفائي يفتقر إلى المسافة النقدية الضرورية. وهنا يفقد النقد وظيفته الحقيقية بوصفه أداة تقويم وبناء، ويتحول إلى نوع من التواطؤ الثقافي غير المقصود الذي يكرس الضعف أو لقل إنه تجاوزه.

كما أن ثمة نزعة متكررة في الخطاب الثقافي الموريتاني إلى تضخيم صورة "الاستثناء الثقافي" لموريتانيا، استنادا إلى الإرث المحظري والشعري القديم، مع أن الأدب الحديث له معايير مختلفة تقوم على قوة الإنتاج المعاصر، وحضور النصوص في الترجمة، والجامعات، والجوائز الكبرى، وحيوية النقاش النقدي. وإذا كانت موريتانيا تمتلك رصيدا تراثيا مهما، فإن تحويل هذا الرصيد إلى قوة أدبية حديثة ما يزال محدودا، سواء لدى الرجال أو النساء.

ومع ذلك، لا يجوز أن تقود هذه الملاحظات إلى خطاب عدمي ينكر كل تطور حاصل. فالمرأة الموريتانية قطعت بالفعل مسافة معتبرة قياسا بالسياق التاريخي والاجتماعي الذي خرجت منه، واستطاعت أن تنتزع لنفسها موقعا داخل المجال الثقافي، وأن تفرض حقها في التعبير والإبداع علما أن بعض التجارب النسائية الجادة بدأت تلامس أسئلة الهوية والحداثة والتحولات الاجتماعية بلغة أكثر نضجا ووعيا، وإن كانت ما تزال في طور التشكل والتراكم.

وليست المشكلة الحقيقية مطلقا في وجود المرأة الكاتبة، بل في طبيعة البيئة الثقافية التي تحتضن الكتابة عموما. فالأدب لا ينمو في الفراغ، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تتطلب تعليما نقديا، قارئا حقيقيا، مؤسسات نشر، حركة ترجمة، فضاءات نقاش، نقدا أكاديميا مستقلا، ومسافة بين العلاقات الاجتماعية والحكم الفني. وإنه في غياب هذه العناصر سيظل كثير من الإنتاج أسير الاحتفاء المحلي العابر.

ومن باب استحضار الرؤية الموضوعية فلا بد من القول إن حضور المرأة الموريتانية في الأدب حضور حقيقي من حيث الوجود الرمزي والاجتماعي، وتجليات ذلك في أسماء كثيرة منها:

ـ  باته بنت البراء، من أهم رائدات الشعر النسوي الموريتاني، وقد دمجت بين الأصالة وحداثة الشعر العربي وعبرت عن قضايا المجتمع.

ـ خديجة بنت عبد الحي، شاعرة بارزة لها حضورها الفاعل في المشهد الثقافي.

ـ طيبـة بنت إسلم، من الأسماء النسائية البارزة في فن القصة القصيرة، لها مجموعة قصصية بعنوان "شغف الذاكرة".

ـ تربه منت عمار، أكاديمية، باحثة، وكاتبة بارزة.

ـ ليلى بنت شغالي التي عُرفت بقصائدها المتميزة وإسهامها في إثراء الساحة الأدبية.

أبرز الكاتبات والروائيات:

ـ أم كلثوم بنت أحمد وتعد المؤسسة الرئيسية لفن السرد النسائي. من أبرز مجموعاتها القصصية "مارية".

ـ عزيزة بنت البرناو، باحثة وكاتبة، من أبرز أعمالها كتاب "المرأة البيظانية من خلال الأمثال الحسانية

ـ حماتي بنت السالم، شاعرة وصحفية تتسم بالجرأة والمباشرة، تجاوزت الكتابة الذاتية إلى قضايا المرأة والطبقة،

ـ مريم بنت أحمد بيروك، قاصة وباحثة من أوائل من أسسن للسرد النسائي، تمزج بين التوثيق السوسيولوجي والخيال الأدبي،

ـ فاطمة بنت محنض، روائية تركز على الهوية والمنفى والعودة، وتعكس تحولات المرأة بين المحظر والمدينة،

ـ ليلى بنت إبراهيم، شاعرة وناقدة تتميز بالكثافة الرمزية وأسئلة الحرية والوجود،

ـ زينب بنت القاسم، كاتبة مقالة وروائية تعالج التراتب الاجتماعي بأسلوب تفكيكي ساخر،

وغير ممن أسهمن في إغناء المشهد. غير أن هذا الحضور، رغم دلالته على اختراق جزئي للبنية الاجتماعية التقليدية، ما يزال دون مستوى التحول إلى قوة أدبية مؤثرة بالمعنى العميق للكلمة، سواء بسبب هشاشة الحقل الثقافي ككل، أو بسبب محدودية التراكم النوعي للأعمال، وإن تضخيم المنجز بدافع التشجيع أو المجاملة لا يخدم هذه التجارب بقدر ما يحكم عليها بالبقاء في دائرة الاحتفاء المحلي العابر. فالمستقبل الأدبي لأي مجتمع لا تبنيه المجاملة، وإنما تبنيه نصوص جادة وقادرة على البقاء حين يسقط الضجيج، وتبقى القيمة الفنية والجودة الإبداعية وحدهما المعيار.