أكجوجت.. حين تتحول مقدرات الوطن إلى ثروة وفرص وتنمية/الولي سيدي هيبه

جمعة, 25/09/2026 - 11:41

لم تكن محطة أكجوجت في برنامج رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، مجرد مناسبة خطابية أو لقاء جماهيري عابر، بل جاءت لتضع أمام الرأي العام واحدة من القضايا المركزية في مسار التنمية الوطنية: كيف يمكن تحويل المقدرات والإمكانات التي تزخر بها موريتانيا إلى ثروة حقيقية، وفرص عمل، وخدمات أفضل، وتنمية يلمس المواطن آثارها في حياته اليومية؟

من هذه الزاوية، اكتسب خطاب رئيس الجمهورية في أكجوجت دلالته الخاصة، لأنه جمع بين استحضار ما تحقق، والاعتراف بما لا يزال قائما من تحديات، وتحديد الشروط التي لا غنى عنها للانتقال من مجرد امتلاك الموارد إلى حسن استثمارها، ومن استغلال المقدرات إلى تحويلها إلى قيمة مضافة تعود بالنفع على المواطن والوطن.

فالرسالة الأبرز التي حملها الخطاب تتمثل في أن ثراء الدول لا يقاس فقط بما تختزنه أراضيها من معادن وما تمتلكه من موارد طبيعية، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى إنتاج وفرص وتنمية مستدامة. فالمورد، مهما بلغت قيمته، يظل مجرد إمكانية ما لم تحط به بيئة مناسبة للاستثمار، وبنية تحتية قادرة على خدمته، ورأس مال بشري مؤهل لتحويله إلى نشاط اقتصادي منتج.

ومن هنا تبرز أهمية حديث رئيس الجمهورية عن الأمن والاستقرار، والبنية التحتية، ورأس المال البشري، وتعبئة الموارد المالية، وتنويع الشراكات والاستثمارات؛ فهي ليست ملفات منفصلة، بل حلقات مترابطة في مسار تنموي واحد يبدأ بتوفير شروط الاستقرار والإنتاج، ويمر بتوسيع الاستثمار وخلق القيمة وفرص العمل، وينتهي بتحسين مستوى معيشة المواطنين وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو.

وبهذا المعنى، تجاوز خطاب أكجوجت النظرة الضيقة إلى الموارد، ووضع الإنسان والعمل والإنتاج في قلب المعادلة التنموية، باعتبارها العناصر التي تمنح الثروة معناها الحقيقي وتحولها من مجرد رصيد طبيعي إلى قوة اقتصادية واجتماعية قادرة على صناعة المستقبل.

ولم يكن اختيار أكجوجت لطرح هذه الرؤية اعتباطيا، فالمدينة تقع في قلب ولاية إينشيري التي تحتل مكانة بارزة في النشاط التعديني الوطني، ولذلك شكلت بيئة طبيعية للحديث عن العلاقة بين الثروة المعدنية والتنمية، وعن الكيفية التي يمكن بها تحويل النشاط التعديني من قطاع اقتصادي مهم إلى رافعة أوسع للتشغيل والاستثمار والتنمية المحلية.

وفي هذا السياق، توقف رئيس الجمهورية عند ملف المنجم، مؤكدا أن الدولة عملت على ضمان استمراره والحفاظ على فرص العمل التي يوفرها، بالتوازي مع إلزام أصحاب رخص الاستكشاف والاستغلال بتسريع تنفيذ التزاماتهم. وتحمل هذه الرسالة أبعادا تتجاوز المحافظة على نشاط قائم، لأنها تعكس توجها نحو توسيع دائرة الاستثمار التعديني وفتح المجال أمام مشاريع ومناجم جديدة، بما يعزز حضور ولاية إينشيري في الاقتصاد الوطني ويوفر آفاقا إضافية أمام العمال والشباب والمؤسسات المحلية.

فالثروة المعدنية لا تبلغ غايتها بمجرد استخراجها من باطن الأرض، وإنما تبدأ قيمتها الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية عندما تتحول إلى نشاط مستدام، وفرص عمل، ومؤسسات، ومداخيل، وخدمات، وسلاسل اقتصادية تمتد آثارها إلى المنطقة والوطن. وكلما اتسعت دائرة القيمة المضافة المرتبطة بالموارد، أصبح استثمارها أكثر قدرة على خلق أثر تنموي يتجاوز حدود موقع الاستخراج.

وفي مقابل الملفات الكبرى المرتبطة بالتعدين والاستثمار، حمل الخطاب رسالة مباشرة بشأن إحدى أكثر القضايا التصاقا بالحياة اليومية لسكان أكجوجت، وهي المياه الصالحة للشرب. فإعلان إطلاق دراسة لتزويد المدينة بالمياه انطلاقا من بنشاب يعكس إدراكا بأن التنمية لا تختزل في المشاريع الاقتصادية الكبرى، وأن نجاح السياسات العمومية يقاس كذلك بقدرتها على الاستجابة للحاجات الأساسية للمواطنين وتحسين شروط حياتهم.

ويكشف الجمع بين ملف المياه وملفات التعدين والبنية التحتية والاستثمار عن طبيعة الرؤية التي حملها خطاب أكجوجت: تنمية متكاملة لا تفصل بين الإنتاج وتحسين شروط الحياة، ولا بين الاستثمار الاقتصادي وتوفير الخدمات الأساسية، لأن المشاريع الكبرى لا تحقق كامل أثرها ما لم تترافق مع بيئة معيشية وخدمية قادرة على احتضان النمو واستدامته.

غير أن أعمق ما في خطاب أكجوجت ربما كان حديث رئيس الجمهورية عن الشباب بوصفهم "الثروة الحقيقية" للبلاد. فهذه العبارة تختصر رؤية تنموية تقوم على أن الموارد الطبيعية، مهما بلغت قيمتها، تظل محدودة وقابلة للنضوب، بينما يستطيع الإنسان المتعلم والمتكون والقادر على العمل والإنتاج أن يجدد الثروة ويصنعها بصورة مستمرة.

ومن هنا جاءت ثلاثية التعلم والتكوين والعمل باعتبارها مسارا متكاملا: فالتعليم يبني المعرفة، والتكوين يحول المعرفة إلى مهارة، والعمل يحول المهارة إلى إنتاج وقيمة مضافة. وعندما يصبح العمل جزءا أصيلا من منظومة القيم المجتمعية، فإن المجتمع ينتقل تدريجيا من ثقافة انتظار الفرصة إلى ثقافة صناعة الفرصة، ومن النظر إلى الوظيفة باعتبارها غاية نهائية إلى النظر إلى الإنتاج باعتباره أساسا للترقي الفردي وبناء الاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، تكتسب تعبئة حزب الإنصاف التي سبقت الزيارة أهمية خاصة، من خلال مشاركة مناضليه وقياداته وقواعده، تنفيذا لتوجيهات وإشراف وحضور رئيس الحزب، السيد محمد مسعود بلال. فقد أسهمت هذه التعبئة في توفير سياق سياسي وتنظيمي واسع للمحطة، وعكست مستوى الحضور والتفاعل والتنظيم الذي رافق زيارة رئيس الجمهورية.

كما جاءت كلمة رئيس الحزب، بما تضمنته من مضامين جامعة ومركزة، لتوفر تمهيدا سياسيا للزيارة، وتبرز القضايا المرتبطة بالتنمية والاستقرار واللحمة الوطنية وما تفرضه من رهانات وتحديات. وفي ذلك تجلت وظيفة الحزب باعتباره إطارا للتعبئة والتواصل والتأطير السياسي، وقناة قادرة على مواكبة المشاريع والسياسات ونقل انشغالات المواطنين وتعزيز الصلة بين التوجهات الوطنية والواقع المحلي للولايات والمقاطعات.

وبذلك بدت محطة أكجوجت وكأنها تختصر جانبا مهما من الرهان التنموي الوطني كله. ففي إينشيري ثروة معدنية تحتاج إلى استثمار أكثر فاعلية، وبنية تحتية تتطلب التطوير، واحتياجات خدمية في مقدمتها توفير المياه، وشباب يمثلون القوة البشرية التي سيتوقف عليها جانب كبير من مستقبل البلاد، فضلا عن مجال واسع أمام الاستثمار والمشاريع الجديدة.

ولهذا جاءت الرسالة المركزية لخطاب رئيس الجمهورية مرتبطة بسؤال جوهري: ماذا نملك، وكيف نحسن استغلال ما نملك؟ فموريتانيا تمتلك مقدرات وموارد وإمكانات وفرصا متعددة، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في امتلاكها وحده، بل في القدرة على تحويلها إلى إنتاج، وتحويل الإنتاج إلى ثروة، والثروة إلى تنمية، والتنمية إلى تحسن ملموس ومستدام في حياة المواطن.

ومن هنا يصبح العمل أكثر من مجرد وسيلة لكسب الرزق؛ إنه قيمة وطنية واقتصادية واجتماعية، كما يصبح الاستثمار في الإنسان استثمارا في المورد الأكثر قدرة على التجدد والاستمرار، ويغدو الاستقرار شرطا ضروريا لجذب الاستثمارات وبناء المشاريع، فيما تمثل البنية التحتية والخدمات العامة الأساس الذي يسمح للتنمية بالانتشار وتوسيع أثرها.

بهذا المعنى، لم تكن أكجوجت مجرد محطة في زيارة رئاسية، وإنما شكلت فضاء لتجديد سؤال التنمية الوطنية من زاوية عملية وواقعية: كيف نحول ما تحت الأرض وما فوقها، وما نملكه من موارد طبيعية وبشرية ومادية، إلى فرص حقيقية ومستقبل أفضل للمواطنين؟

والجواب الذي حمله الخطاب في جوهره يقوم على معادلة واضحة ومتكاملة: التعلم والتكوين والعمل لبناء الإنسان، والاستثمار والإنتاج وحسن إدارة الموارد لصناعة الثروة، والاستقرار والبنية التحتية والخدمات لتوفير البيئة التي تسمح لهذه الثروة بالنمو والانتشار. وعندما تلتقي هذه العناصر في مسار واحد، تتحول مقدرات الوطن من مجرد إمكانات كامنة إلى قوة اقتصادية واجتماعية، ومن موارد قابلة للاستهلاك إلى ثروة قادرة على صناعة الفرص وترسيخ التنمية وتحسين حياة الإنسان.