
في بيئة ثقافية تطغى غالبا فيها المجاملة على صراحة النقد وصرامته، يلوذ كثير من المثقفين إلى الصمت المريب في بلاد التناقضات الكبرى ويتردد النقاد "المحكمون" في التعبير عن ملاحظاتهم وإبداء مواقفهم خشية أن تفهم آراؤهم على أنها خصومات شخصية أو ان تترجم إلى مواقف عدائية. وبهذا تخسر الساحة الثقافية واحدة من أهم آليات تطورها ونضجها، ألا وهي "النقد" البناء والمسؤول، الذي لا يستهدف الأشخاص، بل يسعى إلى تقويم الأعمال، وتقييم المسارات، وتصحيح الاختلالات، والإسهام في بناء معرفة ثقافية أكثر نضجا ووعيا.
لا ريب مطلقا في أن "ازدهار" حركة التأليف يعد من أبرز مؤشرات حيوية الأمم ورقيها الثقافي، غير أن هذا الازدهار لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا حين يستند إلى معرفة راسخة وثقافة أصيلة وترجمة عملية في الحركة الثقافية، تنير العقول، تنشر الوعي، ترتقي بالذوق العام، تبرز معالم التميز الإبداعي والخصوصية الحضارية في أبهى الصور، تفتح آفاق التقدم والتنمية وتغرس روح الأمل والطموح والتألق.
وأما إذا تحول التأليف إلى مجرد وسيلة للشهرة، أو إلى سباق لإصدار الكتب دون قيمة علمية أو مقاصد فكرية حقيقية، فإنه يفقد رسالته السامية، وقد يصبح سببا حتى في إهدار الجهد والورق، وإغراق رفوف المكتبات بمؤلفات لا تضيف معرفة، ولا تنفع قارئا، ولا تعين باحثا، ولا ترتقي بالذوق أو الفكر إلى ملامسة الفعل النهضوي. فالتأليف مسؤولية قبل أن يكون شهرة، ورسالة قبل أن يكون وسيلة لتحقيق الحضور الإعلامي، وقيمة الكتاب تقاس بما يتركه من أثر في العقول والواقع، لا بعدد صفحاته أو كثرة إصداراته.
ليست المشكلة في أن يحتفي بالكتاب أو يكرم المؤلفون، فكل جهد صادق في التأليف يستحق التقدير، وكل مجتمع حي يحتاج إلى حركة نشر نشطة تشجع على الكتابة والإنتاج الفكري. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاحتفاء من وسيلة لتقدير المعرفة إلى غاية قائمة بذاتها، وعندما يصبح حفل التوقيع أكثر حضورا من العمل، والصورة أكثر انتشارا من الفكرة، والثناء أكثر تأثيرا من القراءة.
فالمجتمعات لا تبني نهضتها بكثرة المناسبات الثقافية، ولا بعدد العناوين الجافة التي تخرج غالبا من المطابع البعيدة، إنما بما تضيفه هذه الكتب إلى المعرفة الإنسانية، إذ ليست قيمته الكتاب في غلافه الأنيق، ولا في عدد الكلمات التي يحتويها أو عدد الذين يهللون له، بل في قدرته على تقديم فكرة جديدة، أو معالجة سؤال مهم، أو فتح أفق للبحث مفيد، أو تقديم رؤية جديدة وبناءة تساعد الإنسان على فهم ذاته وعالمه.
غير أن ازدهار التأليف وحده لا يكفي حيث لا تكتمل النهضة الثقافية إلا بحضور النقد المسؤول الذي يقوم مسار الإبداع ويكشف مواطن القوة والقصور. ففي بيئة ثقافية تغلب فيها المجاملة على النقد الصريح، يصبح قول الحقيقة الثقافية أمرا عسيرا. فكم من ناقد أحجم عن إبداء رأيه خشية أن يفهم ويفسر موقفه على أنه عداء شخصي، وكم من مثقف آثر الصمت تجنبا لصراعات لا تمت إلى الفكر بصلة. وكانت النتيجة أن خسرت الثقافة إحدى أهم وسائل تطورها، والمتمثلة في النقد البناء الذي غايته التقويم والإصلاح، لا التجريح والانتقاص.
وفي المشهد الثقافي الموريتاني، كما في بعض البيئات الثقافية الصغيرة، تظهر نفسها أحيانا ظاهرة تستحق النقاش، حيث تحظى بعض الكتب باحتفاء إعلامي واجتماعي يفوق بكثير قيمتها العلمية فتنظم حفلات التوقيع، وتنشر الصور، وتلقى كلمات الإشادة، وتتوالى عبارات التهاني، حتى يبدو الأمر وكأن حدثا معرفيا كبيرا قد حصل. لكن القارئ الذي يقترب من هده الكتب قد لا يجد سوى أفكار مألوفة، أو معلومات مجمعة دون إضافة حقيقية، أو معالجة تفتقر إلى المنهج والعمق والإثراء والجهد البحثي.
ولا يعني هذا أيضا أن كل كتاب جديد يجب أن يكون فتحا معرفيا أو عملا استثنائيا، فالإنتاج الثقافي يتطور بالتراكم، وكل تجربة كتابة لها قيمتها. لكن الفرق كبير بين تشجيع الكاتب واحترام جهده، وبين منح العمل قيمة لا يستحقها لمجرد أن صاحبه معروف أو يحظى بعلاقات واسعة أو مكانة اجتماعية معينة.
وبالطبع فإن الخلل لا يكمن مطلقا في تكريم المؤلفين ولا في الاحتفاء بإنتاجهم، وإنما في المعايير التي يمنح على أساسها هذا الاحتفاء. فإذا غلبت المجاملة على الموضوعية، وحلت العلاقات الشخصية محل التقويم العلمي، وتوارى النقد الرصين، اختل الميزان الثقافي، فلم يعد الامتياز رهين جودة الفكرة وقوة الطرح، بل أصبح مرهونا بشهرة صاحبه واتساع دائرة معارفه. وهكذا يتراجع أثر الكتاب في صناعة الوعي، لتحل محله مظاهر الحضور الاجتماعي والإعلامي.
لقد أثبت تاريخ المعرفة أن الأمم التي تقدمت علميا لم تبن مجدها بضجيج الاحتفالات، وإنما بتقاليد راسخة تجعل الأفكار خاضعة للنقاش، والكتب للمراجعة، والباحثين للمساءلة العلمية. ففي البيئات العلمية الحقيقية لا تحمي الشهرة كتابا ضعيفا، ولا تمنع المكانة الاجتماعية توجيه النقد إلى عمل يفتقر إلى الأصالة أو المنهجية، لأن قيمة الكتاب تستمد من المعرفة التي يقدمها، لا من الأشخاص الذين يحيطون به.
أما حين يغيب النقد، فإن كثرة الكتب قد تصبح عبئا بدل أن تكون ثروة. تمتلئ الرفوف بالعناوين، لكن الباحث لا يجد بسهولة مراجع وطنية رصينة يمكن الاعتماد عليها، وتظل الجامعات بحاجة إلى إنتاج الآخرين لأن الإنتاج المحلي لم يشكل بعد قاعدة معرفية قوية قادرة على المنافسة والإسهام.
إن النهضة الفكرية لا تبدأ من المطبعة، بل من الفكرة. ولا تقاس الثقافة بعدد الكتب التي تصدر، بل بعدد الأفكار التي تترك أثرا، وتغير طريقة التفكير، وتدفع البحث إلى الأمام. فالكتاب الحقيقي لا ينتهي بانتهاء حفل توقيعه، وإنما يبدأ دوره بعد ذلك، عندما يدخل دائرة القراءة والنقاش والاختبار.
لذلك فإن ما تحتاجه الساحة الثقافية ليس مزيدا من الاحتفاء الشكلي، بل مزيدا من الجودة والجدية. نحتاج إلى ثقافة تحترم الكاتب، لكنها تحترم القارئ أيضا، تشجع التأليف، لكنها لا تعفي المؤلفات من التقييم، تقدر الجهد، لكنها لا تساوي بين كل الأعمال.
فأفضل تكريم للكاتب ليس أن ترفع له عبارات الثناء في مناسبة عابرة، بل أن يقرأ كتابه بجدية، وأن يناقش بموضوعية، وأن يخضع لمعايير العلم والمعرفة، علما بأن الثقافة التي تخشى النقد محكوم عليها بالجمود، فيما الثقافة التي تجعل من النقد العلمي جزء من حياتها، هي القادرة على إنتاج معرفة أصيلة وبناء ذاكرة فكرية تفتخر بها الأجيال.

