جيلان بين مرحلتين/الولي سيدي هيبه

خميس, 23/04/2026 - 12:08

يبدو المشهد الموريتاني اليوم مشدودا إلى مفارقة لافتة متمثلة في بقايا جيلين رفعا في شبابهما شعارات التغيير الجذري، ثم استقر به المقام في مواقع إدارة تعيد إنتاج كثير مما كانوا ينتقده. إن الحديث هنا عن نخب الستينيات والسبعينيات في موريتانيا؛ تلك التي تشكلت على وقع المد الثوري العالمي، وتشربت أفكار العدالة الاجتماعية ومقاومة والاقطاعية والرجعية والزبونية والامتيازات غير المستحقة. غير أن المسار اللاحق للكثير ممن لا يزالون أحياء يرزقون، من هذين الجيلين وآخرين قضوا نحبهم، يكشف عن تحول عميق من موقع "الحلم" إلى موقع "التكيف"، ومن خطاب "القطيعة" إلى ممارسة "الاستمرار".

صحيح أنه لا يمكن ولا يجوز إنكار أن بعض أفراد هذا الجيل أسهموا في بناء الدولة الحديثة، وشاركوا في ترسيخ مؤسساتها، ولو بحدود دون ما كان يجب أن يصحل على ارض الواقع. لكن في المقابل، يصعب تجاهل أن جزءا منهم اندمج في شبكات النفوذ ذاتها التي كانت هدفا لنقده. هكذا برزت مفارقات صارخة، مسؤولون يتحدثون عن تكافؤ الفرص، بينما تدار التوظيفات عبر دوائر القرابة والولاء، وخطاب عن الإصلاح يقابله تساهل مع اختلالات التسيير، بل والمشاركة فيها أحياناً

غير أن اختزال هذه الظاهرة في "انحراف أخلاقي" فردي يفوت فهم جذورها الأعمق علما بأن الدولة نشأت في سياق اجتماعي واقتصادي معقد تمثل في بنية قبلية متماسكة واقتصاد محدود الموارد ومؤسسات ما زالت عصية على ثقافة المساءلة. ففي مثل هذا السياق، لا يتحرك الفاعل السياسي أو الإداري في فراغ، بل داخل شبكة ضغوط وتوازنات تدفعه، أحيانا، إلى التكيف بدل المواجهة ليظهر التناقض حيث يجد تدريجيا نفسه جزءا منها من أراد تغيير المنظومة.

فإذن ليست المشكلة فقط في جيلٍ بعينه، بل في آلية إعادة إنتاج النخبة نفسها. فضعف الشفافية المكبلة، وتغييب معايير صارمة للتوظيف والترقي في ظل استمرار تأثير الروابط التقليدية، كلها عوامل تجعل تداول النخب محدودا، وتبقي الكفاءة رهينة للوساطة. لذلك يبدو "غياب" تأثير الأحياء من ذلك الجيل أقل أهمية من السؤال الأوسع الذي هو لماذا لا تظهر بدائل قادرة على كسر هذا النمط؟

إن نقد هذه النخب يظل ضروريا، ليس بوصفه تصفية حساب مع الماضي، بل باعتباره مدخلا ضروريا لفهم الحاضر. ويبقى الأهم ذلك الانتقال من التشخيص إلى فعل بناء مؤسسات تخضع الجميع للمساءلة، إرساء قواعد شفافة للتوظيف، وفتح المجال أمام نخب جديدة لا تعرف نفسها عبر الانتماء، بل عبر الكفاءة. عندها فقط سيمكن تحويل التناقض من قدر معاد إنتاجه إلى لحظة وعي تدفع نحو تجاوز حقيقي.